يوجه العاهل المغربي محمد السادس الاثنين خطابا بمناسبة حلول الذكرى الثالثة عشرة لجلوسه على العرش. ويبث الخطاب على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة المغربيتين.

ويحتفل المغرب بعيد العرش في الثلاثين من شهر يوليو/ تموز من كل عام.

ويأتي هذا الاحتفال، والمغرب يحقق تقدما شاملا على صعيد التنمية البشرية والاقتصادية، شهد به العديد من المراقبين المحايدين داخل المغرب وخارجها.

وبعد 13 عاما من اعتلاء الملك محمد السادس العرش خلفا لوالده الملك الراحل الحسن الثاني نجح المغرب الدولة المتجذرة في التاريخ العربي الإسلامي، في التكيف مع التغيرات الديمقراطية التي تشهدها المنطقة العربية، ليمر بسلاسة وبهدوء وسلم اجتماعيين إلى عصر الديمقراطية بمنظور العقل المغربي المحض.

ويقول بيتر فام مدير مركز مايكل س. أفريقيا "أنصاري" التابع لمجموعة التفكير "أتلانتيك كاونسل" إن الملك محمد السادس "ملك برؤية بعيدة المدى وبشرعية متجذرة في عمق التاريخ تشكل التميز المغربي في مجاله الإقليمي٬ وتؤسس لزخم من الإصلاحات الرائدة وواسعة النطاق".

وأكد أن عمل الملك المغربي على مستوى المشاريع الكبرى المهيكلة والبرامج الاجتماعية استرشد بمبدأ نبيل يستهدف ضمان تحسين الوضع الاقتصادي بشكل مستمر للطبقات الأكثر فقرا٬ في ما يخص السكن وفرص الشغل دون إغفال تحسين مناخ الأعمال الذي جعل من المغرب وجهة جذابة للمستثمرين الدوليين".

وأوضح بير فام أن الملك المغربي وضع "منذ تربعه على العرش٬ قيد التنفيذ جملة برامج إصلاحية طموحة تمثل الطابع المميز للنهج الذي اعتمده٬ منصتا ومستجيبا في ذلك لتطلعات المواطنين ومنشغلا بكل ما يحقق لهم رفاه العيش"٬ مسجلا أن "هذا التفاعل يستمد قوته من شرعية النظام الملكي المغربي المتجذرة في عمق التاريخ ومن روابط مقدسة لبيعة تلحم بقوة ما بين الملك والشعب".

وأشار إلى أن الملك أسس لسلسلة من الإصلاحات٬ التي تم نعتها بـ"الطليعية"٬ وحظيت بإشادة المجتمع الدولي٬ مستحضرا٬ في هذا الصدد٬ إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة التي تتبعت انتهاكات الماضي في مجال حقوق الإنسان٬ وأيضا اعتماد مدونة جديدة للأسرة التي وضعت الأسرة تحت المسؤولية المشتركة لكلا الوالدين٬ إلى جانب تعزيز التعددية الحزبية.

ويقول مراقبون إن المغرب نجح بـ"واقعية" الملك محمد السادس، في الخروج من عاصفة ثورات الربيع العربي في المنطقة، بالإسراع في اقرار الاصلاحات السياسية ومراجعة التوازنات بين السلط وإعادة النظر في المؤسسة الملكية نفسها داخل الدستور الجديد.

وذكر فام أن المغرب "بدأ قبل بلدان أخرى بالمنطقة مسلسل إصلاحات متكاملة بلغت أهدافها٬ في وقت تشرع فيه بالكاد بلدان أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بذل جهود متعثرة في هذا المجال مقرونة بصراعات وأزمات وشكوك٬ مبرزا الدور الحافظ للتوازن والاستقرار الذي تكفله مؤسسة إمارة المؤمنين التي "تضمن الاستمرارية التاريخية العريقة للمغرب".

وقال بيتر فام إن الملك محمد السادس يواصل سيرا على نهج أجداده "ضمان الاستمرارية لتقاليد التسامح التي يحث عليها المذهب المالكي"٬ مؤكدا أن الدستور الجديد٬ الذي حظي بالإجماع الإيجابي للمغاربة خلال استفتاء الأول من يوليو/ تموز 2011 "ينص على الدور الفريد للملك محمد السادس باعتباره أمير المؤمنين وحامي الطوائف الدينية الأخرى. كما أنه يعترف بالطابع التعددي للهوية المغربية بروافدها العربية والأمازيغية واليهودية والأندلسية والإفريقية٬ مؤكدا أن الأمر يتعلق" بحالة لا مثيل لها في المنطقة العربية".

وسعت الثورة الشاملة التي أطلقها المغرب بقيد الملك محمد السادس لرد الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وترجمة ذلك على أرض الواقع. وارتبط الإصلاح الاقتصادي راسا بإصلاح سياسي يطلق طاقات المغرب البشرية من عقالها.

ويمنح الدستور الجديد صلاحيات أوسع لرئاسة الحكومة تشمل التسميات والتعيينات كما توسع في الاختصاصات التشريعية للبرلمان من ثمانية اختصاصات إلى ثلاثين اختصاصا إلى جانب تعزيز الدور الرقابي للمعارضة على أداء الحكومة.

كما ينص الدستور الجديد على استقلالية القضاء ويعترف بحضور الأمازيغية كمكون حضاري وثقافي٬ وينص كذلك على تكريس الحريات العامة٬ وترسيخ مفهوم الجهوية المتقدمة٬ وضمان المشاركة السياسية للمرأة.

ويقول خبراء في القوانين الدستورية إن الدستور المغربي الجديد قد ارتقى بفكرة الاختيار الديمقراطي في بناء الدولة الحديثة من مجرد خطاب وشعار سياسي إلى منهج وعقيدة ذات قيمة دستورية لا يحق لأي جهة أو طرف في المجتمع كيفما كانت طبيعته (سلطات عامة، مجتمع مدني، أحزاب سياسية، نقابات، مؤسسات وهيئات عامة وخاصة، أفراد وجماعات) أن يتجاهله أو أن يتصرف بشكل يمس أو يخل بمرتكزات منهجه أو عقيدته. وتعد هذه القاعدة من بين المستجدات التي جاء بها الدستور الجديد والتي لم يكن منصوصا عليها في الدساتير السابقة.

ومن ابرز ما جاء به المشرع المغربي الجديد دسترة الهيئة الوطنية للنزاهة ومجلس المنافسة بالدستور الجديد لمحاربة الرشوة واقتصاد الريع ووضع قيودا على الحصانة البرلمانية ومنح حريات أوسع لتكوين جمعيات المجتمع المدني كما نص على ضمان الحق في محاكمة عادلة وإصدار الاحكام في آجال معقولة.

ويعي المغرب جيدا ان الاصلاحات قد لا تعني شيئا إذا لم توجه إلى محاربة الفساد والرشوة وحل كبريات المشاكل الاجتماعية مثل الفقر والأمية وأزمة البطالة والسكن.

ولأنه نجح بسرعة في التأقلم مع وضعه الديمقراطي الجديد فقد مر المغرب إلى السرعة القصوى في معالجة الأوضاع الاجتماعية المستعصية في مسعى لربط معطى الحرية والديمقراطية بعامل الجدوى الاقتصادية حتى لا تكون هذه الحرية مدخلا للفوضى مثل ما حصل ويحصل في اكثر من بلد عربي.

وترتكز الرؤية الحكومية للاقتصاد المغربي على خمسة محاور أساسية يمتد تنفيذها على سنوات قليلة مقبلة، أولها تقوية النمو من خلال دعم الطلب الداخلي، وجعل المغرب قاعدة للاستثمار والتصدير، ثم تطوير آليات التضامن والحماية الاجتماعية.

وقفز معدل دخل الفرد المغربي بين 2001 و2011 من 15700 درهم (1430) الى 26151 درهم (2382 يورو)، رافقه انخفاض في معدل البطالة الى 8,9 خلال 2011 مقابل 12,5 في 2001. غير أن السلطات المغربية ترنو للمزيد من هذا النمو خلا السنوات المقبلة.

وقال وزير الاقتصاد والمالية المغربي نزار البركة إن البعد الجهوي المنصوص عليه في الدستور الجديد لتحقيق تنمية متوازنة بين جهات المغرب، وربطه بالحكم الرشيد والشفافية والنزاهة، يهدف الى "تسريع وتيرة التنمية وتقليص عجز الميزان التجاري من 12 بالمائة حاليا (10 مليارات يورو) ليبلغ 3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في أفق 2016".

وقال ملاحظون إن المسؤولين المغاربة واجهوا بالشجاعة والمثابرة٬ المشاكل التي تعاني منها البلاد٬ من خلال اعتماد استراتيجيات مكنت من وضع المغرب في مركز الصدارة إقليميا في مجال التطور الاقتصادي والسياسي.

ويعول المغرب الذي يتمتع بوضع الشريك المتقدم مع الاتحاد الأوروبي ويجتذب المغرب معدل عشرة ملايين سائح في العام، على بنيته التحتية وتوفره على المناخ الملائم للاستثمار ووفرة الكوادر لديه لجذب المزيد من رؤوس الأموال الخارجية وتنويع الاستثمارات في البلاد ورفع معدلات النمو الاقتصادي والقدرة التشغيلية.

وبشهادة عدد من الملاحظين الدوليين المطلعين على قضايا المغرب وشمال افريقيا٬ فإن المغرب يتمتع بوضع اقتصادي يثير اهتمام العديد من البلدان الأخرى التي تواجه أزمات اقتصادية مستعصية.

ويرنو المغرب إلى تحقيق أهدافه الاقتصادية والتنموية بالتوازي مع الحفاظ على سيادته واستقلالية قراره الاقتصادي.

ويقول وزير الاقتصاد المغربي إن هذه الاستقلالية تتطلب ضمان الأمن الغذائي الوطني، والتخلص من التبعية على مستوى توريد النفط التي تبلغ 95 بالمائة، الأمر الذي يهدد البلاد بتدهور العجز التجاري، وتفاقم عجز الميزانية.

لم تأت نجاحات المغرب صدفة، فقدحقق ومنذ سنوات، تقدما كبيرا سياسيا وديمقراطيا مقارنة مع البلدان الأخرى في منطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا، وهو ما وفر له مؤسسات حكم قوية، جعلته في مأمن من الاضطرابات وساعدته على خططه لمزيد تطوير واقعه السياسي إلى ما هو عليه الآن.

ويقول مراقبون إن المغرب القوي بجميع مؤسساته٬ يقدم مثالا رائعا لبلد يتجه نحو الحداثة مع دفاعه في نفس الوقت عن تقاليده.