رزحت الشعوب العربية و الإسلامية منذ عقود بل منذ قرون ليست بالقليلة تحت وطأة الظلم و الطغيان و الاستبداد وغياب ابسط حقوق المواطنة, وتحكمت بمقدرات الأوطان شرذمة قليلة من الحاكم و بعض المقربين منه, وتشير أغلب الدراسات أن أقل من 8 بالمائة من السكان في الدول العربية و الإسلامية يملكون أكثر من 90 بالمائة من الناتج السنوي بمقابل أكثر من 90 بالمائة منهم لا يحصلون إلا على اقل من 10 بالمائة من هذا الناتج , كما أن الاستثمار في الخدمات ضعيف جدا في هذه الدول في غياب لأغلب حقوق المواطنة و المعيشة البسيطة, وإذا اختلف الأمر نسبيا بالنسبة للحقوق الاقتصادية من دولة إلى أخرى فُإن الحقوق السياسية و المدنية تبقى السمة العامة في الأنظمة العربية و الإسلامية حيث التضييق على الحريات و التعسف و الاعتقالات و تزوير الانتخابات و الاستبداد السياسي يرسم خطوطه واضحة على الحياة السياسية للمواطن العربي.

 

هذا الوضع و الذي يعرفه العامة و الخاصة الذي أعيى الشعوب لم يجد بالمقابل تحركا يليق بمستوى الظلم و الطغيان حيث تربى في شعوبنا الخوف و الرهب جيلا بعد جيل و غالبا ما تقوم الثورات من طرف الفئة المستفيدة من النظام طمعا في استفادة اكبر ليس إلا, فيثور العسكر و أفراد من العائلات الحاكمة أو لوبي اقتصادي أو حزب سياسي على الزعيم أو الحاكم ولا تتغير الأوضاع بل ربما تزيد سوءا على سوء فيكرس الطغيان و الجبروت ويرث الديكتاتور دكتاتورا آخر.

 

مع هبوب نسمات الربيع العربي على مجموعة من الدول العربية و الإسلامية بدأ الأمل يلوح من جديد كون هذا الربيع بدا بالأساس يكسر حاجز الخوف الذي ترسخ بنيانه منذ عقود و بدا المواطن يعبر عن طموحاته و يطالب بحقوقه واستبشرنا جميعا بنهضة عربية إسلامية تعيد لنا كينونتنا الإنسانية التي افقدها لنا شرذمة الدكتاتوريين الذين تعاقبوا على حكمنا جيلا بعد جيل.

 

رافق الربيع العربي رفضا قويا من فئة من الشعب كان من المفترض إن تكون سباقة إلى الانخراط فيه فشاهدنا بأم أعيننا فقراء يدافعون عن الأنظمة القائمة بقوة و استماتة فتبلطجوا او بلطجوا لصالح النظام او تشبحوا و شبحوا لصالح الدكتاتور وثاروا ضد أهلهم و رفقاء فقرهم وكرهوا المطالبين بإسقاط الأنظمة حتى حينما بدؤوا مطالباتهم بالإصلاحات السياسية و الاقتصادية, وإذا اعتذرنا للفقراء او صنف منهم بالجهل فإننا لا نجد العذر لمدبلمين جامعيين استماتوا دفاعا عن الدكتاتور بالقلم و كونوا جمعيات و هيئات لحماية النظام و الوقوف ضد المطالبين بإسقاطه, واذا اعتذرنا للمدبلمين بغياب ثقافة الجهاد أو النضال فإننا لا نجد عذرا لمتأسلمين استماتوا دفاعا عن أنظمة عاثت في الأرض فسادا و أسقطت حكم الله و أبطلت الشريعة و شوهت العقيدة فأصدروا فتاواهم لتحريم الوقوف في وجه الحاكم كما اصدر نظرائهم من الفكر اليساري فتاوى ثورية تحمي النظام و تسانده, ولن نتحدث عن المستفيدين من النظام و دفاعهم عنه لان من حقهم الدفاع عن النظام لأنهم جزء منه.

 

نجحت بعض الدول في إسقاط الطغيان و انتقلت ساعية إلى ترسيخ العدل و لو متثاقلة إذ الإصلاح في سنن الله يحتاج سنوات وهو أمر يأتي متدرجا حتى يولد قويا متينا, وبعد نجاح هذه الثورات انطلقت الثورات المضادة وبدأ البعض بدل أن يدافع عن الثورة يتمنى عودة من مضى من دكتاتور او نظام بائد ولعل صعود نجم الفريق شفيق في الانتخابات المصرية و أمثاله في انتخابات دول أخرى دليل على تعطل التمييز لدى كثير من أفراد الشعب وحنينه للدكتاتورية و الاستعباد.

 

من عاش حرا مات دون حريته والعبد لا يرضى إلا بالأقفاص أسد الوغى يموت دون حبسه وقرد المهرج يشتاق موز الأقفاص وصدق الله إذ يقول (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) وصدق من قال أن الثورة يفكر فيها الدهاة و ينفذها الشجعان و يستفيد منها الجبناء, فما أكثر الجبناء وما أحقر من رضي بالذل و الهوان له و لوطنه.