(الحنين مهاجم متوحش، غادر يتبع أسلوب الكمائن، ويهجم في الوقت الذي لا نتوقعه).

رواية موطن الألم، ص: 303. الكاتبة الكروايتة، دوبرافكا أوجاريسبك.

إن الذي يملك موهبة الإنصات، ويضيف عليها التأمل، سيحس، بله، سيلمس بيديه حجم الحنين المكثَّف، الذي يندلق في كل مناسبة، أو من دونها، من أفئدة الكبار، مرفوقا بالحسرة، مُشَّيعا بالخيبة. سيرى خيوط النوستالجيا لزمن ولَّى إلى غير رجعة تتلوى وتتشابك أمامه كما الأفعى إذ تمشي بين الأحراش. وسيتساءل:

لماذا يعاني المغاربة من هذه المتلازمة العامة؟ لماذا يسكن آباءنا هذا الحنين القدري للعودة إلى الماضي، كما لو كانوا أسرابا من سمك السلمون؟

(رحم تلك الأيام الخوالي+ قبح الله هذا الزمن المسخ المشوه + أين تلك الأيام الزاهية + الله يرحم الناس + أين زمن الحشمة والوقار+ راحت أيام العز + ولَّى زمن البركة والخير + أين هي النية والأخوة والنخوة والكرم + مشت الرجولة، أين نساء زمان؟ . . . ). هذه العبارات المسكوكة، وغيرها الكثير، لا يكاد يخلو مجلسُ كهول وشيوخ منها. وبما أني أحب أن أستمع لهذه الفئة العمرية، فإني صرت أجزم أن هذا الحنين معدٍ، كما الفرحِ، كما الحزنِ، وقد عمَّ الجميع. لست أبالغ، إن قلت، إني لم أجد استثناء بين كل من جالست، بدءا من أبي، وصولا إلى صاحب الطاكسي، مرورا بالكثير من الأشخاص، رجالا كانوا أو نساء . . . وهذا ما يدفعني لطرح الأسئلة التالية:

هل كان زمانهم، فعليا، أفضل من زماننا؟ أم هي الحسرة على الشباب القصير أمدهُ، السريع زوالهُ، الأليم انقضاؤهُ؟ هل السبب في نبرة الحزن، انطفاء النظرة، غياب الشغف، لغة الاستسلام، انتظار الشريط الأبيض . . . نابع مما عبر عنه الشاعر ابن الرومي في قوله:

كـــــفى حــــزنا أن الشــــــباب معجلُ قصير الليالي، والمشيبَ مخلَّدُ؟

أي زمن ذلك الذي يحنون إليه، ألم يكن زمن الهزائم والظلم والانتكاسات؟

ألم يكن زمنا نبتت فيه "دولة" سادية متغطرسة استيطانية في قلب أرضهم، سنة 1948 ولم يملكوا لها صرفا ولا تحويلا؟

ألم يحتاج العرب، والمسلمون، 19 سنة من الوعود الوردية والكلام المنفوخ فيه، كبالونات بلاستيكية، ليستفيقوا بعد ذلك على صفعة دامية، مهينة، أهرقت ما بقي من ماء الكرامة عام 1967؟

وفي المغرب، ألم يكن الاستقلال فرحة، تحول بعدها إلى خيبة نتيجة عدم تحقق الآمال الكبيرة التي ضخمتها خميرة خيال شعب حالم؟ ثم، ألم يعش المغاربة سنينا من القمع والظلم والسجن والصمت؟

ألم تكن البوادي قبل عشرين عاما فقط، شبيهة بعالم خَنْدرِيسي عتيق بالٍ تغيب فيه كل مقومات الحياة الكريمة؟

والمرأة، أي زمن تحن إليه المرأة، ألم تكن النساء مضطهدات، مكسورات الأجنحة والأنوف والأرجل، ومكتومات الصوت؟

فأي زمن ذاك الذي يحن إليه الآباء والأجداد؟

لماذا لسان حالهم، دائما ما ينشد مع أبي العتاهية:

فيا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب!

ولماذا لا يرون مميزات هذا الزمن، على ما به من طغيان للتقنية وتغول لقيمة الاستهلاك وتعليب للأحاسيس وَخَرْسَنَةٍ للمشاعر والعواطف وغطرسة المدينة؟

متى يستطيع الآباء أن يعيشوا حاضرهم بمنطق الحاضر، لا أن ينظروا إلى اليوم من وراء ثلاثين، أربعين . . . سنة أو أكثر؟

متى ينزع الكهل، الشيخ المغربي-العربي، نظارة الماضي، ويستمتع، أو على الأقل، يعش، حاضره؟

عبد الجليل الشافعي