منذ الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء, شهر نونبر ل 2005 و الذي دعا بصراحة لا تقبل أي تأويل إلى إعتماد مقاربة جديدة في التعاطي مع قضايا الهجرة و المهاجرين تعتمد اليات الإشراك المباشر للمواطنين المغاربة القاطنين بالمهجر في قضايا السياسة و التنمية المجتمعية بأرض الوطن و إعادة الإعتبار لفئة عريضة من المواطنين طالها التهميش و غيبت عن المشهد السياسي المغربي كرها و طوعا.

خطاب 2005 جاء ليؤسس لمقاربة جديدة تدعو إلى إحداث القطيعة مع المقارابات السابقة التي طغى عليها الهاجس الأمني بامتياز ووضع حدا لتداخل الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة العاملة في مجال الهجرة من خلال اعتماد قرارين يقضي الأول بتمكين المغاربة المقيمين بالخارج من تمثيلهم عن جدارة و استحقاق في مجلس النواب بكيفية ملائمة وواقعية و عقلانية و إحداث دوائر تشريعية انتخابية بالخارج, أما القرار الثاني فقد تعلق وفقا لمنطوق الخطاب بإحداث مؤسسة المجلس الإستشاري للجالية المغربية بالخارج.

وبالرغم من وضوح الخطاب الملكي, فقد تم الإلتفاف و التحايل عليه من قبل العديد من الأطراف التي قامت بإفراغه من محتواه لتعلن لنا عن ولادة قيصرية وبعيوب هيكلية لمؤسسة المجلس الإستشاري مما أدى إلى فشلها في تقديم إجابة مقنعة حول مختلف القضايا التي تشغل الفاعلين بالمهجر و عجزت عن كسب الثقة و المصداقية الكافيتين لجعلها تتحول إلى محور أساسي في التعاطي مع قضايا الهجرة.

وفي إطار الالتفاف على التعليمات الملكية تم تحويل مجلس الجالية إلى أداة تساهم في تضييق الخناق على الأطر و الفاعلين بالمهجر على نفس منوال الوداديات التاريخية التي طالبت هيئة الإنصاف و المصالحة في تقريرها الشهير بإلغائها بوصفها تشكل إرثا بشعا لمرحلة سنوات الرصاص و أداة أستعملت فيما مضى لملاحقة المناضلين و الفاعلين و محاصرة الجمعيات الديموقراطية الجادة خصوصا تلك التي عبرت عن استماتتها في الدفاع عن إستقلاليتها و عدم الإنصياع لرغبات و نزوات بعض أعداء الديموقراطية و سماسرة الهجرة.

ونعود اليوم لنعايش مرة أخرى الإرتباك الذي تعيشه الأحزاب معا فيما يخص مشاركة مغاربة الخارج في تحديد معالم السياسات العمومية من خلال التواجد في مختلف مؤسسات الدولة و المجالس التي تمت دسترتها بمناسبة الإصلاحات الدستورية الأخيرة هذا الجدل الذي تعرفه الساحة السياسية كلما أطلت استحقاقات إنتخابية نجده أمرا طبيعيا خصوصا إذا استحضرنا واقع الأحزاب المغربية التي لا تنظر إلى القضايا الوطنية إلا من خلال زاوية مصالحها الضيقة وإعمال مبدأ الغنيمة السياسية , الأمر الذي نلحظه في نوع التعاطي مع المستجد الذي حملته رياح الإصلاح الدستوري و القاضي بإشراك المواطنين المغاربة بالمهجر.

العامل ذاته يمكننا من فهم التناقض الصارخ و التضارب الذي بدا واضحا من خلال مواقف الأحزاب بين تلك التي تدعو إلى إلحاق المرشحين المغاربة المقيمين خارج الوطن باللائحة الوطنية بينما ترى أخرى ضرورة إحداث تقطيعات إنتخابية بدول الإستقبال لكن الملاحظ أن كل هذه الأحزاب لم تقم بأية مبادرة بهدف استقصاء أراء مغاربة العالم و الأنصات لمطالبهم المرتبطة بالشأن و أخذها بعين الإعتبار.

هاته الأحزاب نفسها هرولت في مناسبة أخرى نحو بلدان المهجر من خلال لقاءات تواصلية مع أفراد الجالية لكن سرعان ما عادت أدراجها عندما تحججت الدولة بالصعوبات اللوجيستية في ضمان مشاركة المهاجرين في استحقاقات سنة 2007 الدولة أيضا لم تكلف نفسها عناء التواصل مع المهاجرين و إطاراتهم المدنية قصد الإصغاء لأراهم حول الموضوع و إشراكهم في ورش مغرب الحاضر و المستقبل هذا التغييب لرأي المهاجرين و خصوصا في المرحلة التاريخية و الحساسة التس يعيشها المغرب و خمول الأحزاب و عدم إظهار أي اهتمام بالموضوع و تغييبه المقصود عن الواجهة الإعلامية الوطنية على عكس الماضي.

هذه الوضعية تدفعنا إلى طرح العديد من التساؤلات حول مدى جدية الدولة في ضمان مشاركة حقيقة للمواطنين بالمهجر و مدى جاهزيتها من حيث توفر الشرائط الموضوعية و الإمكانات اللوجستية و الموارد البشرية لتغطية كافة مدة و مناطق بلدان الهجرة حيث تقطن أعداد معقولة من مغاربة المهجر و مدى إمكانية وجود تناسب معقول بين نسبة المشاركة المحتملة من جهة و كم الأمكانات المسخرة من أجل توفير شروط تكفل إنجاح محطات من هذا النوع.

سؤال أخر يطرح نفسه بإلحاح حول إمكانية وجود إتفاق مبيت و محسوم بين الدولة و الأحزاب يقصي بالإلتفاف على هذا الحق المكتسب و المطلب التاريخي للمهاجرين, فتحقق هذه الفرضية إن صحت سيفضي إلى إفراع النصوص الدستورية من روحها و بالنتيجة تعميق هوة غياب الثقة و المصداقية لدى كل مكونا ت الفضاء السياسي المغربي لا بل في جدوى العمل السياسي رغم تضييع الدولة، مؤسسات و أحزابا، للكثير من الوقت فيما مضى.

ونظرا للطابع الإستعجالي لقضية المشاركة السياسية الفاعلة للمهاجرين يبقى من غير المقبول أن يتم انتهاج حلول ترقيعية على حساب جودة و نوعية هذه المشاركة فالرأي القائل بإدماج المهاجرين ضمن اللائحة الوطنية هو بمثابة تقديم هدية و خدمة مجانية إلى الأحزاب المغربية لتضع وفقا لمصالحها و إرضاء لقادتها أسماء ذويهم بالمهجر أو لتصبح هاته الأحزاب ولية نعمة بعض المحسوبين على الهجرة الشئ الذي يؤدي إلى إعاقة الأداء السياسي والإبتعاد عن الهدف الرئيسي لهذه المشاركة.

وبالإضافة فإن هذا الحل الترقيعي لا يقدم ضمانات حقيقية تمكن من تواجد صوت معبر عن المواطنين المهاجرين وقضاياهم بل يمكن أن يفسح المجال أمام بعض أقطاب الدولة المحافظة الإنقلاب على روح الدستور من خلال الإستعمال خارج إطار التوجه و المقاربة الجديدة للدولة لمجموع الأجهزة و المؤسسات العاملة في شأن الهجرة على مختلف المستويات بهدف إحكام السيطرة على النسيج المدني بالمهجر كما جاء في العديد من تقارير أجهزة الإستخبارات الإسبانية و التي تشير بشكل متواصل الى ضلوع الدولة المغربية في تطبيق مخطط يقضي بالإستحواذ على قرار الإطارات الجمعوية بأوروبا.

كل هذا في مقابل غياب تام للأحزاب عن المشهد الهجرواتي و ضعف تأثيرها على فاعليه الأساسيين و يبقى في نظري, حل التقطيع الإنتخابي هو الأمثل شريطة توفير الشروط المطلوبة الأمر الذي سيتطلب حتما بعض الوقت و الكثير من الجهد الأمر الذي يجعلنا نشكك في مدى إمكانية تحقيقه في هذه المرحلة و عليه فلا ضير من تأجيل تفعيل حق المشاركة إلى غاية توفر الشروط الموضوعية , و إعتبار المرحلة محطة بناء ضرورية تنتهج خلالها سياسات تعتمد المصالحة مع المهجر و فعالياته و ممارسة ادوار التعبئة و الإسهام في تقوية نسيجه الجمعوي و المدني وبناء إطارات سياسية من خلال قيام الأحزاب بدورها الأساسي القاضي بالإنفتاح على مختلف مكونات المجتمع المغربي بالداخل و الخارج و إدماج مغاربة المهجر في كل هياكلها التنظيمية من مجالس وطنية و مكاتب سياسية سواء الجهوية منها أو الوطنية.

هذا النهج هو وحده الكفيل بضمان ولادة طبيعية و شرعية لمشاركة حقيقية و فاعلة ستشكل حتما رافعة للوطن و مدخلا لأستعادة الثقة في نبل العمل السياسي ببلدنا و مزيدا من التركيز لقيم الديموقراطية الفعلية وسد الباب أمام الريع و الإنتهازية القاتلة التي تطبع الفضاء السياسي و المدني بالخارج حيث تبقى رياضة الهرولة هي النشاط الأبرز للعديد من هواة التزلف وممارسي التزوير المجتمعي ولصوصية التمثيلية الكاذبة.

أما لعبة لف المكاسب و الإلتفاف عليها و التي تحاول بعض الأطراف القيام بها فهي تشكل مؤامرة حقيقية في حق مغاربة العالم و انقلاب على قيم وروح الدستور و الديموقراطية بشكل عام.

أجل، نحن مع حق المشاركة بوصفها مطلبا تاريخيا للمواطنين بالمهجر لكننا ضد أي عملية من شأنها أن تسطو على المكاسب و الحقوق المشروعة لهاته الفئة خصوصا عندما يكون هذا السطو محكوما بهواجس انتخابوية محضة أو فوبيا أمنية , برهنت على فشلها في اقناع الفاعلين و أصبحت متجاوزة في هذه المرحلة.

وعليه فالتعبيرات التي تطفو على السطح في المرحلة الحالية لا تعدو أن تكون هرولة لأصحابها نحو المجهول دون الأخذ بعين الإعتبار اكتمال شروط مشاركة حقيقية وفقا لما هو متعارف عليه في كل ديموقراطيات العالم ففي العديد من المناسبات و المحطات الجمعوية كنا قد أشرنا إلى إعتبارمغاربة العالم في المرحلة الراهنة كمواطني جهة إفتراضية لها مجلسها المنتخب وفقا لشروط محددة تشمل أوسع تمثيلية ممكنة لتغطية المساحات الجغرافية التي تتواجد بها كتل مهاجرة تعمل على تدارس قضايا مغاربة العالم وإنضاج الشروط الموضوعية لمشاركة حقيقية وفاعلة وقد لاحظنا أن هذه المقاربة ينهجها الإتحاد العام للمقاولات تحت ما يسمى بالجهة 13 وذلك في إطار تدبير علاقته بمقاولي مغاربة العالم فقط عندما تكتمل الشروط , حينها سيكون للمشاركة معنى و سنلمس حتما وقعها على حياة المغاربة داخل الوطن و خارجها.

بقلم المصطفى القادري