لعلنا جميعا نتذكر حكاية صاحب القارب الذي لا يتسع إلا لشخصين والذي كان عليه أن يعبر النهر جيئة وذهابا لنقل الذئب والعنزة والبرسيم، وظل يناور بدهاء ليحافظ على الثلاثة معا. أما في ثلاثيتنا نحن، ثلاثية الدولة والمواطن والخواص، فإن الأمر لا يتعلق بترتيب الأولويات بينها بل بغياب قارب مشترك قادر على حملها، لا لشيء إلا لأن الأطراف الثلاثة لا تقصد نفس الوجهة ولا تحمل نفس النوايا.

ليس الأمر أحجية جديدة، بل تصوير بسيط لحالة من التجاذب أو لنقل التنافر بين هاته الأطراف. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، أعلنت الدولة عن إعادتها النظر في أدوارها داخل المجتمع من خلال رغبتها في خفض النفقات ذات الطبيعة الاجتماعية، والتخلي عن العديد من المرافق العمومية لصالح القطاع الخاص في إطار مسلسل الخوصصة. تعبت الدولة الراعية، هنا كما هناك، وأنهكها حملها السيزيفي، وهي التي كانت تؤثث حياة المواطن بكل الحاجيات وبكل الخدمات من " سبيطار المخزن" إلى " مدرسة المخزن"، وحيث كانت تلعب دور المصعد الاجتماعي للعديدين من خلال سياسة التوظيف العمومي. هو نفس الشيء الذي فهمه وعبر عنه مسؤول حكومي سابق حين أعلن أنه آن الأوان كي ترفع الدولة يدها عن القطاعات الخدماتية، وعلى رأسها التعليم والصحة، باعتبارها، اعتمادا على ضيق المنطق الحسابي وفوبيا التوازن الميزانياتي، الأكثر استهلاكا للنفقات العمومية والأقل إنتاجا للموارد العمومية.

هل استوعب المواطن هذا التحول وهل استساغه؟ لا يبدو الأمر كذلك على الإطلاق، فقد أبانت العديد من الأحداث والتطورات عن أن الدولة لازالت راسخة في ذهنه، هي الأصل وهي الملجأ، وهي أيضا، في نظره، المسؤولة الأولى والأخيرة عن حاضره وغده. وقد أخذ هذا التصور شكلين أساسيين. الأول صدامي جسدته العديد من الاحتجاجات والإضرابات وحتى سيناريوهات العنف الجماعي التي طبعت مسار العديد من المدن والقرى المغربية (الدار البيضاء، الناضور، فاس، جرادة، الحسيمة وغيرها). أما الشكل الثاني فكان مطلبيا بالأساس أغرق الدولة بمطالب مختلفة من التشغيل إلى الدعم المادي، ومن توفير الخدمات العمومية إلى الحماية ضد المخاطر على اختلافها. ومع جائحة كورونا، عادت الدولة بقوة على لسان المطالبين. وبغض النظر عن خلفيات هذه العودة وتأثيراتها الحالية والمستقبلية، فقد اتضح أن الجميع جعل من الدولة ملاذه الأخير، سواء لمن فقد مصدر قوته يبغي الدعم أو لمن تقطعت به السبل في الخارج ينشد العودة بل حتى أولائك الذين اختاروا سبل المبادرة الحرة والاستثمار الخاص لم يتوانوا عن طلب العون العمومي. الأحزاب كما الجمعيات، المؤسسات العمومية كما الخصوصية، صغار الفلاحين وحتى أرباب الفنادق الفاخرة وبائعو المحروقات الميسورون، الكل يستجدي دعم الدولة.

أرادت الدولة أن تتراجع ولكن فطام المواطن لم يتم كما كانت السيناريوهات المبالغة في التفاؤل تتصور الأمر والتي كانت تفترض أن الرأسمال الخاص سيملأ المساحة الناجمة عن جَزر القطاع العمومي وسيشغل المسافة الفارغة بين الدولة والمواطن في مجال تقديم الخدمات بالشكل الذي يحفظ استمرارية هذه الأخيرة ويؤمن السلم الاجتماعي. ولهذا لم يكد قانون للمالية أن يخلو من مقتضيات تهم دعم المقاولة وتشجيع المبادرة الحرة والحث على التشغيل الذاتي. لم يعد لسؤال التنمية أجوبة عمومية فقط. إلا أن ما حدث بعد ذلك لم يذهب في هذا المسار. فمن جهة، دخل المغرب مرحلة من تسليع الخدمات العمومية وجعلها رهينة قانون السوق ومنطق الربح والخسارة أولا وأخيرا. وإذا كانت هذه الأخيرة لم تستجب لمبدأ المنافسة الحرة والنزيهة، بما كان يمكن أن يضمن استقرار ومعقولية الأسعار، فإنها ساهمت أيضا في تعميق اللاعدالة الاجتماعية في العديد من القطاعات، خاصة التعليم والصحة، والتي صارت تسير بسرعات مختلفة وآفاق جد متباينة. من جهة أخرى، تسبب هذا الوضع في ارتفاع أسعار الخدمات و"السلع الاجتماعية"، وتكفي الإشارة إلى الارتفاع المطرد في فواتير الماء والكهرباء وفي أثمنة المحروقات.

لكل طرف من أطراف الثالوث إذا هواجسه وحساباته ومخططاته. لا يجتمع الثلاثة على كلمة سواء ولا يتقاسمون نفس الرؤية حول أدوارهم وانتظاراتهم وحول مسؤولياتهم المجتمعية. من شأن هذه الوضعية أن تطيل أمد كل أشكال التشنج الممكنة بينها وأن ترهن تصور أي نموذج تنموي.

عبد الرحمن حداد