اليوم ألعاب الفيديو والألعاب الإلكترونية أصبحت واقعا لا يرتفع، تكتسح بلاد المعمور

بدوله الغنية والفقيرة. تنتشر أكثر فأكثر في صفوف الأطفال والمراهقين على الخصوص.

السؤال الذي يفرض ذاته هو كيف باعتبارنا آباء وأمهات ومربين ومدرسين نتعامل معها.

هل ينفع معها المنع والقمع؟ أم هل ينفع معها الزجر و الحظر؟ أم هل ينفع معها كسر

الأجهزة الإلكترونية، كما فعل أحد الآباء بمطرقة حديدية، وهو يقسم بأغلظ الأيمان أن

لا يدخل لبلايستيشن مرة أخرى إلى بيته، ناسيا أن كل ممنوع مرغوب؟

والأطفال في عطلتهم المدرسية، ومع هذه الجائحة، المفروض الحركة محدودة من أسفار و

زيارات، فما العمل إذن، خاصة وأن معظم الأسر بالكاد تتوفر على سكن اقتصادي،

فبالأحرى الحديث عن حديقة البيت تمكن الطفل من تجزية الوقت و ممارسة هواياته

الرياضية، لذلك لا يجدون بين أيديهم غير الشاشات التلفزية، مع الرسوم المتحركة، أو هذه

الألعاب الإلكترونية.

إنها اليوم بمئات الآلاف يصعب حصرها وعدها. فقد أضحت صناعة بميزانيات ضخمة

تجاوزت ميزانيات هوليود نفسها.

لكن للأسف فمعظمها معاول للهدم التربوي، إن لم تكن وسائل للقتل شنقا أو قفزا من علو

شاهق (لعبة ببجي) لعبة تحدي الخمسين حاجزا. فبحكم طبيعة الشباب والمراهقين

الاندفاعية، كم منهم دفع حياته ثمنا لتحدياتها الخطيرة، أو خنقا بالغاز (لعبة جنية النار) تأمر

مستخدميها من الأطفال، لما تحكم قبضتها عليهم، إن هو أراد أن يصبح جنيا أو جنية، أن

ينهض ليلا ويتوجه إلى المطبخ، ليفتح قنوات المواقد الغازية، ثم يعود إلى فراشه دون أن

يكلم أحدا، حتى لا تفسد خطة تحوله. و في الصباح سيتحقق له ما يريد. أو لعبة الحوت

الأزرق، في إحدى محطاتها تطلب من لاعبيها أن يكتبوا يرسموا حوتا على أذرعهم وكتابة

f57 بآلة حادة، دلالة على خضوعهم التام للعبة و من تم يكونون في مستوى التشرف

بالحديث مع الحوت الأزرق عبر السكايب).

"لعبة مريم" كبقية الألعاب تبدأ عادية كأية لعبة لإمتاع الأطفال وتسليتهم، لكن بمجرد

التوغل فيها، فتبدأ الخطورة. فهذه اللعبة تعيش مستخدميها في أجواء كلها رعب جزع

وفزع، قصر مهجور بحارسته ذات الألفي سنة وحارسها الذي يأكل ولا يشبع ويحب شرب

الدماء، ولما يفلتون من قبضتها بشق الأنفس، يجدون أنفسهم في مقبرة يدوسون على

مقابرها وجها لوجه مع حارسة المقبرة عجوز شمطاء.

و القائمة تطول عن الكوارث في الأرواح، كما نتابع ذلك عبر وسائط التواصل الاجتماعي

في هذا البلد أو ذاك، بهذه القارة أو تلك، بسبب هذه الألعاب، إن بشكل مباشر بتوجيه من

تعليماتها في إطار التحديات، أو ما تخلفه من آثار نفسية خطيرة، بسبب قلة النوم انشغالا

بها ليل نهار، وانطوائية وانعزال واضطرابات وتوترات بسبب الإدمان عليها، مما حدا

بمنظمة الصحة العالمية بعد دراسات وأبحاث، تصنف الإدمان عليها ك"اضطراب عقلي"،

وسط معارضة شديدة لائتلاف مصمميها في العالم (IGEA).

إنهم يتذرعون بأنهم يدخلون المتعة على الملايير من مستخدميها عبر العالم. ولا يزال الحبل

على الجرار بينهم وبين منظمة الصحة و خبراء التربية و علم النفس.

فلا مناص إذن من الانتباه إلى ما يشغل به الأطفال أوقاتهم، وهم في غرفهم خاصة في

منتصف الليل و بعده، فهذا هو الوقت الذي عادة ما تنفرد بهم هذه الألعاب.

أتصور حال طفل دون العاشرة أو أكبر، وهو غارق في هذا الرعب، بما يؤثثه من أشباح

و شياطين وعفاريت كما هي في مخيالنا الشعبي برؤوس غريبة وقرون معقوفة و أنياب

طويلة وحادة، وأعين مشعة موحشة. فأنى لهذا الطفل بالنوم الهادئ والاستقرار النفسي؟

ناهيك عن ألعاب الحروب الحافلة بكل أنواع الدمار والخراب و الدماء والأشلاء و الفتك

و القتل، توفر لمستخدميها كل أنواع الأسلحة الفتاكة. فتجد الطفل يجري لاهثا وكأنه في

حرب حقيقية وليس افتراضية. كل تركيزه أن يكسب الجولة بالقضاء المبرم على منافسه.

هذا ناهيك عن الألعاب ذات الإيحاءات الجنسية، التي تغتصب طفولتهم، بإغراقهم في

مشاهد جنسية ساخنة يكون لها أثارا سلبية عليهم، خاصة وأن أطفالنا يفتقدون للتربية

الجنسية، لا في المدارس ولا في الأسر. لا يزال البعض من محدودي العلم بمجرد ذكر

هذه التربية، حتى تشتعل لديهم كل الأضواء الحمراء. إذ تقودهم أفهامهم المعوجة مباشرة

إلى الممارسة الجنسية، علما فالبون شاسع بين التربية الجنسية والممارسة الجنسية.

أمام تسونامي هذه الألعاب، لا بد من التسلح بالعلم والمعرفة، حتى إذا ناقشنا أطفالنا يكون

نقاشا ناجحا ومثمرا، لا حوار طرشان. فلا بد من إقناع أطفالنا، ليتولوا هم أنفسهم معرفة

صالح هذه الألعاب، إن كان فيها ماهو صالح من فاسدها ومدمرها. دون ذلك فإذا أغلقت

عليهم بابا يجدون عشرات الأبواب والنوافذ أمامهم.



 بوسلهام عميمر