وأخيرا أتى من يقول لنا أن قصة الحجر وشعارات المكوث في البيت مجرد "احتيال" وأن المواطنين مجرد "خراف".

فقد استضافت إحدى القنوات التلفزية الوطنية المغربية الكاتب الفرنسي “برنار هنري ليفي” للتبشير بكتابه الجديد. وعلى غرار مثيلاتها الفرنسية احتفت القناة بالكاتب وكتابه في مشهد دعائي لا يخصص عادة للمفكرين والباحثين المغاربة. فليفي الذي يصح تسميته "بفيلسوف المنابر" لكثرة ظهوره في وسائل الإعلام الفرنسية وتسويقه لمشاريعه وكتبه، منذ كتابه الأول عن الأزمة الإنسانية في بنغلاديش في 1973، حيث بدأ مراسلا حربيا، هو وريث إمبراطورية صناعية تضعه على رأس ثروة من الأعمال التجارية التي يوظفها في مشاريعه الدعائية والإيديولوجية. ففي كتابه الذي يسوقه تحت عنوان: "هذا الفيروس الذي يدفع للجنون" ينتقد السياسات الحكومية في العالم ويعتبر أن الأمر برمته عملية "احتيال" كبيرة نشرت الرعب في المجتمعات مما أصاب الناس والاقتصاد بالأزمة، في محاولة منه لاستعمال الأسلوب الشعبوي الدعائي في رفض فكرة الفيروس ونقد إجراءات الدول في الحفاظ على مواطنيها.

ففي نظره أن السلطات الحاكمة جن جنونها من أجل ممارسة الاستبداد، بل تطوع الناس ليكونوا "خرافا" مستعدين للتضحية بحريتهم للبقاء على قيد الحياة. فالأصل في نظره أن تتحرر السلطة السياسية من هيمنة السلطة الطبية وتختار عدم التقييد لنسمح للفيروس بالاختيار الطبيعي بين الأكثر هشاشة وأولئك الذين يمكنهم حماية أنفسهم. من الأفضل الحفاظ على حرية الفرد.

هذا ملخص ما جاء صاحب الكتاب ليبشرنا به، واختارته القناة المغربية، ضدا على اختيارات المغاربة وتكاثفهم وتكتلهم من أجل مقاومة الجائحة. نَفَس شعبوي انتشر لدى عامة الناس، وقاومته الدولة في المغرب بالقانون، لكن ليفي صاغه بلغته التي تدعي التفلسف، وسُوِق للمغاربة في وصلة دعائية على أنه من المعجبين بالتجربة المغربية في مقاومة الجائحة. تناقض واضح بين الرفض المبدئي للكتاب والعرض الدعائي للقناة.

يرجع للمفكر الفرنسي ميشيل أونفراي الفضل في الكشف عن حقيقة “هنري ليفي” حين اعتبره نموذجا لأسوء ما في الفكر، منتقدا تواطؤه الدائم مع السلطة والطبقة الحاكمة في الغرب، وازدراءه الدائم للفقراء والطبقات المهمشة. لذا رفض حركة السترات الصفراء الفرنسية حيث شبه أصحابها بأصحاب “القمصان السوداء” في إيطاليا الفاشية ثلاثينات القرن الماضي، وندد بكل الحركات الاحتجاجية بفرنسا، لكن في المقابل شجع ومول حركات الاحتجاج والانفصال في العالم العربي.

أما المؤرخ الفرنسي دومينيك فيدال فقد توقف عند أخطائه "الفادحة" في كتاباته التي تنشر الأوهام والقراءات الاختزالية والانتقائية للتاريخ. وكثير من الباحثين ينتقدون الحضور العلمي للرجل باعتباره وجها إعلاميا وليس باحثا أكاديميا. لكن بعيدا عن هذه الصورة الأكاديمية التي يحاول ليفي تسويقها لنفسه من خلال الحضور الدائم في الإعلام، وهو الثري الذي يعرف كيف يشترى الحضور الإعلامي، هناك صورة لازمته باعتباره أحد أصوات الصهيونية العالمية. صورة زعيم الانفصال ومشاريع التجزئة والخراب وثق بعضها في فيلمه "قسم طبرق.

فقد عرفته ساحات البوسنة وكوسوفو وجبال أفغانستان، وساحات العراق، ومناطق الانفصال في كردستان والسودان ودارفور وليبيا وسوريا. رجل من أهم ميزاته أنه أنى ظهر جر في أذياله الخراب والتقسيم. فلِم تصر قناة وطنية على إظهاره بصورة المفكر والفيلسوف العاشق للمغرب وسياسته وكتابُه ينفي ذلك جملة وتفصيلا؟ وهو الذي انتقد كل الإجراءات القانونية والعملية التي قيدت حركة الناس في ظل انتشار الوباء؟ وهل غدت القنوات المغربية صدى للنقاشات الإعلامية والدعائية الفرنسية تحتفي بمثقفي منابرها؟ ولم هو هنا أصلا؟ وما مشاريعه في المنطقة؟... الأيام كفيلة بالجواب.

 

فؤاد بوعلي