تأهبا لإجراء الامتحان الوطني لنيل شهادة البكالوريا، دورة: يوليوز 2020، وعلى غير العادة يجري هذه الأيام الإعداد له على قدم وساق في ظروف استثنائية صعبة، لما تمر منه بلادنا والعالم أجمع من أزمة صحية خانقة، على خلفية تفشي جائحة كورونا أو "كوفيد -19"، وهو فيروس لا يرى بالعين المجردة ويعد من بين أخطر الأوبئة العالمية في القرن الواحد والعشرين، الذي كبد بلدان المعمور خسائر فادحة اقتصاديا واجتماعيا وما انفك يحصد آلاف الأرواح، في وقت مازال فيه العلماء والباحثون يخوضون معركة أخرى في الظل من أجل إيجاد لقاح فعال، يخلص الإنسانية من شراسته ومخاطره.

ولأن المغرب بلد الاستثناء بامتياز ويندرج ضمن قائمة الدول القلائل المشهود لها عبر التاريخ بالصمود ورفع التحديات وتحقيق الانتصارات، لما عرف عن أبنائه من روح التضامن الوطني وإطلاق المبادرات الإنسانية الرفيعة، فقد اتخذ بصرامة ومسؤولية من الإجراءات الاحترازية الوقائية والاستباقية، ما كان كفيلا بتجنيبه الأسوأ والتصدي بقوة للجائحة والحفاظ على صحة وسلامة المواطنات والمواطنين، مما أثار الإعجاب في الداخل والخارج إلى حد اعتباره نموذجا يحتذى. حيث أنه سارع مبكرا إلى تجميد حركة الملاحة والنقل الجوي، تعليق الدراسة وإغلاق المساجد والمقاهي والمطاعم ومنع الأنشطة الرياضية والثقافية والسياسية، وفرض الحجر الصحي وإعلان حالة الطوارئ الصحية، ودعوة المواطنين إلى ضرورة الالتزام بقواعد النظافة وعدم مغادرة البيوت إلا عند الحالات القصوى وارتداء الأقنعة الواقية والتباعد الاجتماعي وغير ذلك...

فأزمة "كوفيد -19" كانت بحق دافعا أساسيا في شحذ الكثير من الهمم والعزائم في كافة المجالات، مما جعل المسؤولين بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي يضاعفون الجهود في اتجاه رفع التحديات المطروحة، من خلال اتخاذ مجموعة من التدابير لتفادي شبح سنة دراسية بيضاء في جميع المستويات التعليمية، والإبقاء على إجراء الامتحان الوطني لنيل شهادة البكالوريا في مطلع شهر يوليوز 2020، مخالفا بذلك ما ذهبت إليه بعض البلدان وعلى رأسها فرنسا التي قررت اعتماد نقط المراقبة المستمر، بهدف الحفاظ على مصداقية الشهادة العلمية التي تفتح آفاق التعليم العالي بمختلف المدارس والمعاهد والكليات داخل الوطن وخارجه.

وفضلا عن أن الوزارة الوصية قررت في إطار ضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء الشعب، أن تغطي الامتحانات فقط الدروس المقروءة داخل الفصول الدراسية إلى حدود الإعلان عن تعليق الدراسة الحضورية وتعويضها بعملية "التعليم عن بعد" بتاريخ 16 مارس 2020، فإنها إمعانا في الاجتهاد والتخفيف من الضغوطات النفسية، اعتمدت مجموعة من المعايير التنظيمية والوقائية واستراتيجية فريدة من نوعها في التهييء المادي واللوجستيكي، واضعة نصب عينيها ضمان نجاح هذه المحطة الحاسمة من خلال توفير كل الشروط اللازمة، التي من شأنها تأمين مرور الامتحانات في أجواء عادية والحفاظ على صحة وسلامة جميع المتدخلين والمترشحين على مدى كل المراحل، بداية من تحديد مواعيد الامتحانات مرورا بإعداد مواضيع الامتحانات وإجراء الاختبارات في الفضاءات المخصصة وعملية التصحيح والمداولات إلى الإعلان عن النتائج...

حيث أنه في سابقة من نوعها تقرر اجتياز الامتحان الوطني للبكالوريا بالنسبة للمترشحين عبر قطبين في جميع الشعب والمسالك: قطب خاص بمسالك الآداب والعلوم الإنسانية والتعليم الأصيل يومي 3 و4 يوليوز. وقطب يهم المسالك العلمية والتقنية والبكالوريا المهنية من 6 إلى 8 يوليوز، وهو ما قد يساهم في المزيد من الضبط وعدم الاضطراب والخلط بين مواد الامتحانات الأدبية والعلمية.

ومن جانب آخر ووفق التعليمات الرسمية حول ضمان السير الجيد والسليم لهذا الاستحقاق الوطني، تعبأت كل فعاليات الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية بتعاون مع السلطات، من أجل تهييء المراكز الضرورية وتجنيد الأطر الإدارية والتربوية الكافية، علاوة على حسن تدبير إيواء وإطعام تلاميذ الداخليات. والسهر على وضع إجراءات وقائية واحترازية ذات أهمية بالغة، تتمثل في احترام المسافة المكانية بين الأشخاص والقدرة الاستيعابية لقاعات أو فضاءات الامتحانات، مع ضمان التهوية الجيدة وتقليص أعداد المترشحات والمترشحين بداخلها. والعمل على إخضاع جميع أعضاء لجن الامتحانات وطواقم مراكز الطبع والاستنساخ لاختبارات الكشف المسبق عن فيروس كورونا عبر قياس الحرارة، وتوفير مواد التعقيم ومختلف لوازم الوقاية من كمامات واقية وغيرها من أدوات النظافة والتعقيم المتواصل والمتكرر للفضاءات والمرافق والتجهيزات. وقد استقر الرأي في المقام الأول على إعطاء الأسبقية لاستغلال فضاءات المنشآت الرياضية والجامعية ثم المؤسسات التعليمية في حالة ما إذا تعذر إيجاد قاعات مغطاة أو جامعات ببعض المدن المغربية.

إنها بكل صدق وموضوعية ترتيبات متميزة وغير مسبوقة سيكون لها ما بعدها، ولا يمكن إلا تثمينها والتصفيق بحرارة للواقفين خلفها، لاسيما إذا ما تم الحرص الشديد على الالتزام بتجسيدها على أرض الواقع بحزم ومسؤولية، لأنها لن تعمل فقط على كسب رهان التنظيم المحكم للامتحان الوطني لنيل شهادة البكالوريا في زمن "كوفيد -19" والحفاظ على صحة وسلامة المترشحين وجميع المتدخلين، وإنما ستساهم كذلك في الحد من ظاهرة الغش التي طالما قضت مضاجع الأسر والمسؤولين.



اسماعيل الحلوتي