1 – الدور المحمود للاجتهاد القضائي في سد الفراغ التشريعي:

من المعروف أن الاجتهاد القضائي يعد إلى جانب التشريع مصدرا من مصادر القانون بصفة عامة، وعلى هذا الأساس فإنه يعد أحد القنوات الهامة التي تصنع فيه القاعدة أو القواعد المتعلقة بنظام الإعفاء أو الفصل، وذلك في الحالات التي يكون فيها النص التشريعي أو النظامي أو الاتفاقي غامضا أو منعدما بالمرة، فيتدخل القاضي باجتهاده لكي يسد الفراغ. وسنرى – وفي وقت لاحق - بمناسبة الحديث عن الرقابة القضائية على الإعفاء أو الفصل كيف أن العديد من قواعد الإعفاء أو الفصل لأسباب تأديبية أو اقتصادية تجد مصدرها في الاجتهاد القضائي وليس في القانون أو الاتفاق أو النظام الداخلي للمقاولة، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر إصدار محكمة النقض لقرار حديث لاحظت فيه ثغرة أو فراغا في نظام الفصل التأديبي في ضوء المادة 62 وما بعدها من مدونة الشغل، تتجلى في عدم تحديد مشرع هذه المدونة الأجل الذي يتخذ فيه المشغل مقرر الفصل؛ وبعد أن أقرت بذلك المحكمة اجتهدت وسدت الفراغ بأنه يتعين على صاحب العمل أن يتخذ قرار الفصل داخل أجل معقول ( م. ن، غ. إ ج.، قرار بتاريخ 16/5/2017 رقم 530 ملف عدد /1202/1/ 5/2016، مجلة قضاء محكمة النقض / المجلس الأعلى عدد 84، ص. 203 + م. ن، غ. إ ج.، قرار بتاريخ 4/7/2017 رقم 659 ملف عدد 1575/5/1/2016 ، مجلة قضاء محكمة النقض / المجلس الأعلى عدد 84، ص. 210 )، فما هو هذا الأجل؟ هل هو محدد في يوم..في شهر..في سنة...؟ كما يقول المرحوم عبد الحليم حافظ.

2 – ماهية الأجل المعقول لاتخاذ مقرر الفصل عن العمل ومن خصائصه الفورية:

كل واحد منا ومن منطلق ذاتي له تصوره عن الأجل المعقول، في حين أن المشرع في المادتين 62 و63 من م.ش نص وبكل موضوعية ومنطق على إجراءات قانونية تمهد لاتخاذ مقرر الفصل تتراوح آجالها ما بين 48 ساعة و8 أيام، ما يدل على طابع الفورية في اتخاذ قرار الفصل، وبمجرد الانتهاء من الاستماع إلى الأجير من طرف المشغل. ومما يؤكد ذلك أن المادة 61 من المدونة تسمح للمشغل بفصل الأجير فورا ودون انتظار مهلة الإخطار المحددة مثلا فقط في 8 أيام بموجب المرسوم التطبيقي للمدونة والمؤرخ في 29 ديسمبر 2004. وبإعادة قراءة المادة 62 من المدونة بمفهوم المخالفة، أو في حالة إعادة كتابتها، يجب أن نفهمها بأنه ((بمجرد ارتكاب الأجير لخطأ جسيم تأكد منه المشغل يجب فصله فورا، وفي تاريخ محدد، لا يفصله عنه إلا إجراء الاستماع إلى الأجير لكي تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه)). وهذه الصبغة الفورية في اتخاذ قرار الفصل كانت صريحة في الفصل 6 من النظام النموذجي لسنة 1948، ولكن تستخلص ضمنيا من المواد 61 و62 و63 من مدونة الشغل، فالفصل 6 من النظام النموذجي كان ينص على الفصل الفوري صراحة باستعمال مصطلح: ""IMMEDIATEMENT"، وفي هذا تقدم القديم عن الجديد، ثم ما مصلحة المشغل في عدم اتخاذ مقرر الفصل فورا بعد الاستماع إلى الأجير؟.

وقد تطول فترة انتظار الأجير لمقرر الفصل لأكثر من أسبوع، ولو اعتبرنا أن مدة الانتظار هي عقوبة توقيف عن الشغل فلا يجب أن تتعدى 8 أيام بنص صريح في المادة 37 من مدونة الشغل؛ فكيف يبيح الاجتهاد للمشغل اتخاذ مقرر الفصل داخل أجل معقول من غير تحديده بمدة معينة؟ مع أن الطابع الفوري في اتخاذ مقرر الفصل يستنتج من المادة 61 من مدونة الشغل التي تنص على فصل الأجير المرتكب لخطأ جسيم بدون مراعاة أجل الإخطار، يعني فورا ! والفورية عبرت عنها المادة 63 من م.ش أو حددتها في 48 ساعة كمقياس أو معيار للفورية في تسليم مقرر الفصل عن العمل. وهنا يطرح السؤال ما هو الأهم والأخطر، هل اتخاذ مقرر الفصل، أم تسليم مقرر الفصل؟ ونجيب بأن الإجراء المهم والخطير هو اتخاذ مقرر الفصل من طرف المشغل، ولو أن المشرع لم يحدد المدة الزمنية لاتخاذه وحددها الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض في "مدة معقولة". ويلي هذا الإجراء من حيث الأهمية والخطورة إجراء تسليم مقرر الفصل، وحدد المشرع أجل تسليمه في "48 ساعة" من تاريخ اتخاذه، فهل يعقل أن ينص المشرع على أجل الإجراء الأقل أهمية أي ((تسليم مقرر الفصل))، ويهمل أجل الإجراء الأكثر خطورة والأكثر أهمية وهو إجراء ((اتخاذ مقرر الفصل))؟.

3 – رأينا في الموضوع: وجوب اتخاذ مقرر الفصل عن العمل فورا حتى لا يسقط النزاع في الابتذال

لكل الأسباب التي ذكرناها آنفا، نرى أن مقرر الفصل يجب أن يتخذ فورا، والفورية تعني 48 ساعة كحد أدنى و8 أيام كحد أقصى، وهي المدد الزمنية نفسها المنصوص عليها في المادتين 62 و63 من م. ش. وعلى هذا الأساس يجب فهم وتفسير المادة 62 من م. ش، بعد تحرير محضر الاستماع للأجير المنصوص عليه في المادة 62 من م.ش، ((يصدر المشغل فورا مقرر الفصل عن العمل))، وهذه هي الفقرة الغائبة أو التي سقطت سهوا بين المادتين 62 و63 من م.ش، والفورية تعني مدة تتراوح ما بين 48 ساعة و8 أيام كما أسلفنا؛ أما إذا لم يصدر المشغل مقرر الفصل بالمرة وكلما ذهب الأجير إلى المقاولة ليسأل عن وضعيته ومآل جلسة الاستماع إليه يجيبه المشغل بأنه سوف يكلمه بالهاتف، أو سوف يبعث له بكتاب في الموضوع، أو يرسل إليه مقرر الفصل، فيظل ينتظر ساعة الفرج أو هذا المقرر لمدة سنتين، وبعد أن يمل من طول الانتظار يقرر رفع دعوى المنازعة في مقرر الفصل، فقد يدفع المشغل بتقادم دعوى الفصل طبقا للمادة 395 من م.ش، أو يلجا إلى سلاحه ((الرهيب والإستراتيجي)) وهو الدفع والقول بأن الأجير لم يتم فصله عن العمل وإنما فضل طيلة هذه المدة (( مغادرة العمل من تلقاء نفسه)) لاشتغاله في نشاط اقتصادي آخر، ولما لم ينجح فيه رفع هذه الدعوى، رجع إليه منتقما وزاعما أنه فصل عن العمل.

والواقع أن الدفع بمغادرة العمل لا يكون صحيحا إلا بنسبة تتراوح بين 10 % و20 %، وما دونها ما هو إلا تحايل على القانون وعلى مدونة الشغل وعلى ما احتوت عليه من ضمانات قانونية من الفصل التأديبي والعشوائي، بل هو بكل بساطة إجهاض للدور الحمائي للأجير الذي تلعبه هذه المدونة ونتيجة لتفسير الأحكام القضائية الاجتماعية لقواعد عبء الإثبات في منازعات المغادرة التلقائية لصالح المقاولة وليس الأجير، ونتيجة كذلك لعدم تكييف القضاء واقعة المغادرة التكييف القانوني الصحيح.

فمثلا لو أن حارس المقاولة – وبأمر من المشغل - منع الأجير من دخولها، ورفع دعوى الفصل التعسفي ورد المشغل بأن الأجير هو الذي غادر العمل تلقائيا، فيعقب عليه بأنه جاء إلى باب المقاولة، ومنعه الحارس من الدخول، يجيبه الاجتهاد القضائي بكل بساطة: كان عليك أن تحضر مفوضا قضائيا لإثبات واقعة المنع، وبما أنه لم يفعل يكون الحكم صارما برفض الطلب. ونسي الاجتهاد القضائي أنه حتى على فرض صحة المغادرة التلقائية فهي في الواقع تغيب عن العمل بشكل غير مبرر أو غير مرخص به، وكان على المحكمة أن تكيف واقعة المغادرة بأنها خطا جسيم، وكان على المشغل أن يحرك بشأنها مسطرة التأديب طبقا للمادة 62 وما بعدها من مدونة الشغل، وبما أنه لم يفعل كل ذلك فالإعفاء أو الفصل تعسفي، وهو ما لا يميل إليه قضاة الموضوع حاليا في المادة الاجتماعية.

ولا نفقد الأمل في تطور الاجتهاد القضائي حول هذا الموضوع، أو بعد أن يتدخل المشرع لتقنين واقعة "المغادرة التلقائية"، وفك ألغازها المحيرة، فكم من أجير قيل إنه غادر المقاولة تلقائيا وهو في الواقع لم يغادر وفي أحسن الأحوال أجبر على المغادرة.. عودا على بدء...!.

 

إدريس فجر