"حقا إنني أعيش في زمن أسود..الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها..الجبهة الصافية تفضح الخيانة..والذي مازال يضحك لم يسمع بعد بالنبأ الرهيب..أي زمن هذا؟". - برتولت بريشت -

لا يني زمن كورونا يفاجئنا بالمستجد والغريب، دفعنا دفعا إلى مضايق أنفسنا فنظرنا إلى ذواتنا عراة من غير مساحيق ولا تجميل، فاكتشفنا هشاشتنا وضعفنا، ووقفنا على ركام أخطائنا التي لم نكن لنلتفت لها لولا هذا الوقوف الإجباري الذي فرمل السرعة الجنونية التي كنا نجري بها..نجري مسعورين خلف المكاسب والمناصب ولقمة العيش "الحارة"، ومنّا من أصاخ السمع لأنانيته وخبثه ودناءته وسمح لها بأن تقتات من عرق الآخرين.

نصحونا باستعمال الصابون والمنظفات والمعقمات كسبيل للوقاية من خطر كوفيد 19، تلك هي نظافة الظاهر، ونحن كمسلمين علّمنا ديننا الحنيف - من ضمن ما علمنا إياه - أن نحرص على طهارة البدن من خلال الاغتسال والوضوء وتجنب الرجز. يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)" (سورة المدثر:1-5)، وقوله أيضا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾]البقرة: 222[. والإسلام هاهنا لم يكن يقصد فقط الطهارة الخارجية، بل عنى كذلك نظافة الباطن من خلال دعوته للتّحلي بالأخلاق الحميدة كالإيثار ومحبة المسلم لأخيه المسلم ومدّ يد المساعدة له في حالة العوز والاضطرار...الخ. لكن جائحة كورونا جاءت لتزيح ورقة التوت عن عوراتنا القبيحة وآثامنا العظيمة التي استوطنت منّا الروح ونفذت إلى أعماق نفوسنا الضعيفة، وكم كان مخائيل نعيمة محقا حينما قال: "عجبت لمن يغسل وجهه خمس مرات في اليوم ولا يغسل قلبه ولو مرة واحدة في السنة".

لقد كشفت جائحة كورونا أستار الخيانات التي اقترفناها، باحت بسرّنا وكنهنا المقيت. والخيانة بكل بساطة فعل لا أخلاقي وتصرف مشين ينبئ عن خساسة صاحبه وأنانيته، وإذا كان علماء النفس لم يتفقوا على تعريف جامع ومانع لها فلأنها تتلبس دوما بلبوسات جديدة وتتمظهر في أشكال مستجدة، وهي في ذلك مثلها مثل الفيروس. وإليكم بعض صور الخيانات التي أطلت برأسها في زمن كورونا لتعكس هذا التردي الأخلاقي والتربوي والاختلال النفسي لأصحابها، هؤلاء الذين افتقدوا خصلة الثقة والأمانة وفضلوا مصلحتهم على مصالح الآخرين:

الشباب المتهورون الذين استهانوا بقواعد الحجر الصحي واخترقوها..خائنون.

المسؤول والموظف والأجير الذي تقاعس عن أداء واجبه المهني..خائن.

التاجر الذي احتكر السلع أو رفع من أثمانها..خائن.

الناس الذين تكالبوا على المحلات التجارية لاقتناء السلع والمواد الغذائية وتكديسها في بيوتهم..خائنون.

الناس الذين لجؤوا إلى استعمال أساليب الغش في المواد الغذائية وكذا الذبيحة السرية..خائنون.

المعلم والأستاذ الذي استهان برسالته التعليمية وأمعن في البعد عن تلاميذه..خائن

المرتشي الذي أدمن على آفته ولم يعتبر..خائن.

الزوج الذي ظلّ يمارس هواية تعنيف زوجته..خائن.

الزوج الذي ظلّ يراوغ كورونا كما زوجته الأولى، ليتسلل خفية كي يرتمي في أحضان زوجته الثانية التي اقترن بها ضدا على القانون والمدونة..خائن بامتياز.

محترفو إذاعة ونشر الأخبار الزائفة..خائنون

الذين أعماهم جشعهم فلم يتوانوا عن الاستفادة من الإعانات المادية والعينية بدون وجه حق..خائنون.

محترفو السياسة وأصحاب الدكاكين السياسية الموسمية الذين أصابهم الخرس وتنصلوا من مسؤوليتهم في إيجاد حلول لواقع الأزمة المستجد..خائنون.

" الخطّافة " الذين استغلوا ظروف كورونا ورفعوا من أسعار التنقل الاستثنائي أضعافا مضاعفة دون مراعاة لحالة المواطنين المغلوبين على أمرهم..خائنون بامتياز.

أصحاب مؤسسات التعليم الخصوصي الذين غاب ضميرهم واستتر، ولم ينظروا بعين الرحمة للآباء الذين فقدوا عملهم وقلّت مداخيلهم..هم كذلك خائنون بامتياز.

أرباب المقاولات الذين تنكروا للعمال البسطاء الذين حصدوا الأرباح على حسابهم ولما حان أوان المحنة واشتد أوارها لم يدعموهم بالمرّة..خائنون بامتياز.

تلك فقط نماذج قليلة لأوجه الخيانة التي راجت بيننا في زمن كورونا، فكشفت بالملموس عن النقص الحاد الذي نعاني منه على مستوى مناعتنا الأخلاقية والتربوية التي نزلت إلى الحضيض، والتي يلزمنا الكثير كي نصل بها إلى مرحلة التعافي، من خلال إعادة النظر في أساليب تربيتنا ومناهج تعليمنا، في أفق بث ثقافة المواطنة الحقة المنبنية على قيم ديننا الحنيف وعاداتنا المغربية المتأصلة. ولا أجد ما أختم به في الأخير خيرا من قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾]النساء:105-107[

 

علي كرزازي