تابع..

نواصل في هذا الجزء الثاني والأخير من هذا المقال إجراء بعض المقارنات العرضية السطحية ولو على المستوى الشكلي فقط بين مسؤولي ومؤسسات وأفراد الشعب و"نخبه"(بوصفها مصنوعات المسؤولين والمؤسسات) كل من الدول الديمقراطية والكيانات الاستبدادية..

تتغير الوجوه عندهم دوريا، وبأشكال سلمية ومُرضية، أما في بلادنا العربية فإن اختلاف الأسماء ما بين مملكة وسلطنة وإمارة وجمهورية لا يفيد في شيء فيما يخص تغيير الوجوه والهيئات، فالكل بالخلافة: الملك يُخلف والسلطان يخلف والأمير والرئيس.. بل إن الوزير يمضي حياته في الوزارة والحزب والسلطة، هو وعائلته،، ويخلفه أحفاد أصهاره. حتى إذا كان التغيير في يوم من الأيام، فإنه لا بد أن يكون دمويا.. وقد أبدع أحدهم حينما شبه الحكام بالمراحيض، أعزكم الله، حيث يسهل استبدال "الرومي" عند أهله بصفر تكلفة في البنية، ويصعب تبديل "البلدي" عندنا إلا بحفر الأرضية كاملة وما ينتج عن ذلك من أضرار وتكاليف..

"كبيرهم" يتحرك بينهم بحرية وسط الشارع العام، إما شعبيا بتواضع، أو في موكب رسمي ملائم إذا اقتضت ضرورة ذلك. أما في بلداننا، فحتى "عاملنا" لا يتحرك إلا في موكب ضخم تصرف عليه ميزانية الدولة، وبجيش من الحرس الشخصي المأجور من الميزانية العامة. وجلب الجمهور من الفيافي يرابطون اليوم كله كي يحيّوا الزعيم الملهم، حتى إذا دخل مرحاضا، لا بد من موكب وإشهار وولائم وتقديس!!!..

ولو أُنفق ما يُنفق في أمن المسؤولين، والحرس الشخصي، وحراس الكرسي، والحفلات والولائم، والطقوس والبروطوكولات الفارغة، والزيارات الداخلية والخارجية، الوطنية والدولية، ذهابا وإيابا... لو أنفق كل ذلك في الاستثمار والتشغيل لم يبق لدينا عاطل..

يُشتكى دائما عندنا من غياب الشفافية وحقوق الإنسان ومن التزوير، فيُنتدب مراقبون دوليون ينصّبون أوصياء علينا، كأننا سفهاء، عكس الحال عندهم، أين الديمقراطية والسيادة والحقوق والنزاهة..

إن المسؤولين في هذه الضيعات لم يبرعوا إلا في كتم أنفاس الناس وتقييد أفكارهم بحيث لم يعد لها ظهور إلا على أبواب وجدران المراحيض العمومية، أين تقرأ ما يضحكك ويبكيك: يضحكك لمضمونه وصياغته، ويبكيك لمكان كتابته ودلالة ذلك.

أدمغتنا تهاجر بلاد النفاق والتخلف والقهر والذل، إلى بلاد العز والكرامة والصدق والوضوح. وأدمغتهم تزورنا تحت الإلحاح، بمجانية أكلا وشربا وإيواء بأغلى وأفخر ما يمكن، لتمدحنا و"تستحمرنا" عند حضورنا، وتتهكم علينا وتسخر منا في غيابنا..

أما إذا ألقينا نظرة على مواقف هؤلاء الكراكيز الذين ابتلى الله بهم العرب في السياسة الخارجية، فسنجدها تتسم بطابعين متناقضين: الذلة على الأعداء والعزة على الإخوان..

ذلك أنه بالنسبة للعلاقة مع الغرب، فإنها تتسم بالخضوع المطلق والولاء التام والتبعية العمياء.. فما قاله هو الحق وغير ذلك باطل، وما أقره هو الصواب وغيره خطأ...

فلو قُتل منهم غربي في بلادنا خطأ، دفعنا فديته كل ما كانوا قد نهبوا منا ثم أقرضونا إياه، ودمروا علينا القرى، وهدموا ما بُني على مدار العقود، وقتلوا شطر السكان وأسروا الشطر الآخر.. أما لو قتل الغرب منا جمهورا فإن ذلك يكون من طرف مجنون، أو نتيجة خطأ، أو تطبيقا للشرعية الدولية وحماية لحقوق الإنسان ومحاربة للإرهاب، بموجب قرار صدر في برلمان إحدى الدول.. هذا إن كان لابد من تبرير، وإلا فلا مبرر، لأن أرخص دم وأبخسه هو دمنا..

إنه من نتائج الإفراط في الذل والتبعية للغرب والانقسام على الذات أن تجد كل كيان يخضع لنظام غربي معين، وتراه ينفق الأموال الطائلة في حرب ضروس -مع شقيق له- تُهلك البلاد والعباد، لسنوات طويلة، تغرِق الدولتين معا في براثن المديونية والتخلف والفقر، من أجل مشكلة مصطنعة ليس لأحد منهما فيها مصلحة سوى اتباع الأنا والهوى والأسياد، عن غي أو عن سذاجة، مقابل السكوت عما يحتله هذا الغريب،، أو يفرضه!!!..

في بلاد العُرب، ما يقتله "الأغيار" لا يساوي جناح بعوضة مقارنة مع ما يتم إعدامهم ماديا أو معنويا(فقرا ومرضا وكمدا) من طرف أولئك العصابات المتغلبة المستولية على الحكم غصبا، المتحكمة في رقاب الناس وأموالهم، داخل دولها، والمتآمرة على إخوانهم خارجها، المتحالفة مع شياطين الجن والإنس كي لا يسقط البيادق المنصبون في هذا السجن المسمى الوطن العربي، المنفذين لأجندات وسياسات أولي الأمر..

إن العربي ليحكم عقودا، والبلد في الحضيض على جميع الأصعدة، ومع هذا يُتخذ الزعيمَ والسيد والحكيم والقائد والفريد والفقيد.. يرسم وجهه في العملة، وتعلق صوره في المكاتب والشوارع، وتسمى الشوارع والميادين والمؤسسات باسمه، ويشْرف حاضرا وغائبا، حيا وميتا على الأنشطة والمنتديات والمؤتمرات.. ويحكم الغربي مدة محدودة سلفا، يسلِّم البلد على طبق من الرفاهية والازدهار، لا فقر فيه ولا بطالة ولا جهل ولا أمية ولا مرض.. ومع هذا لا يكاد يُذكر بصفته حاكما ولا محكوما من بعد!!!...

أختم بهذه الخاطرة:

عجبا لـ"حكامنا":

دهرا يحكمون، لا إنجاز، ولا هم يحزنون،، ولا شعوبهم يفرحون..

ومع هذا يُعبدون ويَخلدون ويخلّدون!!!..

ماذا كانوا ليفعلوا لو يُنجزون؟؟!!!..

حقيقة لا حياء يستشعرونه،، ولا بخجل هم يشعرون!!!..

أموات هم، غير أحياء، بل دمى يحرَّكون وهم ميتون!!!..

نصّبهم أسيادهم، أولي نعمهم، فهم بهم، وهم بهم مستمسكون!!!..

سيرتهم لا تحوي غير حروف علة، وبعلل الروح والنفس والعقل والقلب والجسد هم خائرون!!!..

ماذا لو بُعثوا -بعد العجز- وغاروا، واستحيوا، وعزموا، وشمروا، ومن بروجهم نزلوا، وعن دباباتهم "ترجلوا"، وفي ملكهم زهدوا، وعن سلطاتهم تخلوا وتركوا وتورعوا؟؟!!!..

 

 

انتهى..



سعيد المودني