روى مسلم عن أبي يحيى صهيب بن سنان أنه قال: قال رسول الله ﷺ :"عجباً لأمر المؤمن، إن أَمْرهُ كلُّهُ له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سَرَّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضَرَّاء صبر فكان خيراً له."

معلوم أن كل ما يصيب الإنسان من شر أو مصيبة في ماله أو في صحته مثل الأمراض و الأوبئة كما هو و الحال في جائحة وباء كورونا، لعمرك هو من الأمور التي تدخل في الضراء التي تصيب المؤمن.

و لعل الخير الدنيوي الذي يُسْتَشفُّ من هذه الضراء، إلى جانب ثواب الصبر في الآخرة، هو بعث الإحساس بالانتماء و إذكاء روح المواطنة بين مختلف مكونات الدولة، كما بدا واضحاً من دعم وحدات الإنتاج في محاولة لسد الخصاص من الكمامات الواقية أو من الانسياب الملحوظ عند استيراد مواد و مستلزمات طبية، أو مثلما قامت به وزارة التجارة و الصناعة و الاستثمار و الاقتصاد الرقمي بتنسيق مع السلطات الإقليمية بالقنيطرة من جهد لإعادة تشغيل معمل تحويل عسل الشمندر SOTRAMEG المتخصص في إنتاج الكحول الطبية، لتغطية حاجيات المملكة من هذه المادة المستخدمة في التطبيب و التعقيم، و ذلك بعد الحريق الذي تعرض له المصنع منذ سنة و نصف خلال شهر شتنبر من سنة 2018.

كما أن من تجليات المواطنة الحقة التي أفرزتها جائحة كورونا قيام شركات وازنة مثل المجموعة السكرية كوسومار بدعم تصميم جهاز ذكي للتنفس الاصطناعي لصد الوباء، ابتكرته مؤسسة البحث والتنمية والابتكار في العلوم والهندسة. و تجلت تلك المواطنة كذلك فيما أبانت عنه الأطقم الطبية و المخبرية من جهد و تفاني في الخدمة، و التي لو استقامت على الطريقة منذ أمد لاهتدينا إلى تحقيق الأمن الصحي و لما انتظرنا أن يَمُنَّ علينا غيرنا باللقاح، هذا فضلاً عن تَفتُّق عديد المواهب المغربية في ابتكار و اختراع ما يلزم من معدات و تقنيات لمجابهة الوباء من غير أن تُنْكِر عليها الجهات المسؤولة كل هذه الاختراعات، حيث كل المبادرات مُرحَّبٌ بها في زمن الحرب ضد الفيروس المستجد.

و لعل من الخير كذلك الذي قد يبدو للناظر بسبب هذه الضراء، كما وردت في الحديث الشريف، هو توحيد الجهود و تركيزها في اتجاه الحفاظ على حياة المواطن و سلامته عملاً بقول ربنا سبحانه «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً» في حِرصٍ من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف على السمو بأخلاقيات المواطنة.

إضافة لكل ما سبق أتاحت لنا الضراء فرصة ملامسة التغيير، التي ألْفَيْناها اليوم في واقع حالنا مسؤوليةً مُتبادلةً بين قمة الهرم الاجتماعي و قاعدته، بحيث أبانت مرحلة الوباء عن قابلية المجتمع للتغيير نحو الأفضل في مختلف المجالات مثلما أبانت عن قابلية التغيير ذاته على مستوى اتخاذ القرار من خلال التسليم بقدرات المجتمع في تخطي رهانات المرحلة، فحيثما كانت الرُّؤى مجتمعة في اتجاه المبتغى كان الرهان سهل المنال على حد قول الشاعر:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

إنما ينبغي على أصحاب القرار أن يتخذوا من هذه الضراء التي اجتاحت الأمة عبرة من أجل تصحيح قيم المواطنة و مواصلة الدعم المُتطَلَّب لكل مبادرة من المبادرات التي تُنتِجُها قاعدة الهرم في زمن السلم كما في زمن الحرب في سبيل الرقي بهذا البلد و ما ذلك على أُطُرٍنا بعزيز.

إذ كيف يستقيم أن تفتح المعاهد و الكليات و مؤسسات التكوين أبوابها و تُعنى بتخرج أفواج من الطاقات البشرية المؤهلة من حَمَلَةِ العلم، و لا يتم تكريس هذه المكتسبات على مستوى الواقع العملي. ولقد ورد عن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسألَ عن عمره فِيمَ أفناه، وعن عِلمه فيم فعل، و عن ماله من أين اكتسبه و فِيمَ أنفقه، و عن جسمه فيما أبلاه." أخرجه الترمذي. ولقد قال الناظم عن العلم و العمل به:

إذا العلم لم يُعمل به كان حُجَّةً عليك و لم تُعْذَر بما أنت حاملُ

فإن كُنتَ قد أَبْصرتَ هذا فإنما يُصَدِّقُ قولَ المرءِ ما هو فاعلُ

و بما أن "الوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد و قطع العوائق" كما يقول ابن القيم الجوزية في كتاب الفوائد، فإن الدولة مَدْعُوَّة إلى هجر عاداتها من الاتباع المبالغ فيه لدول الغرب مهما كانت دوافع الاتباع سياسية مادامت المواطنة الحقة جديرة بشحذ الهمم للذود عن وحدة المملكة و سلامتها مهما تكالبت علينا الأمم و مهما أوضعت فينا الفتنة للحد من مسيرة التطور و النماء خاصة في مجال الابتكارات الحساسة مثل الأجهزة العسكرية و صناعة السيارات البديلة التي لن ترضي حتماً القوى التي نُسَلِّمُ بعظمتها، ولقد أظهر الوباء لمن كان له في الغرب إِسوةٌ حسنةٌ، كيف انطوى كل بلد من هذه البلدان على نفسه، يبتغي إرضاء مصالحه الذاتية لا غير. كما أن الدولة مَدْعُوَّة إلى قطع العوائق بإحداث القطيعة مع كل ما من شأنه أن يُعيق الابتكار كالتنَصُّلِ من المسؤولية أو تبخيس الطموح و المبادرات لما فيه من إقبار لقيم المواطنة و ذلك قبل أن يأتي

يومٌ يَتَعَذَّرُ الوصول فيه إلى المطلوب، الذي ما هو إلاَّ تنمية البلاد التي تقع فريضةً على المواطنين كلٌّ بحسب مقدرته، خاصة من حَمَلَة الشواهد و من الأطر الشابة المُبْتَكِرَة، حتى إذا ما تخلَّفت الدولة عَمَّا هي مَدْعُوَّةٌ إليه، حقَّ علينا حِينَئِذٍ قول الشاعر:

مَآربٌ كانت في الشباب لأهلها عِذاباً فصارت في المشيب عَذابا



خالد شهيم