جائحـة كورونا المستجد "كوفيد 19"، أربكـت العالم بمشارقـه ومغاربــه، وفرضت على الــدول، استعجـال اتخاذ حزمة من التدابيـر والإجراءات القادرة على التصــدي للفيروس التاجـي والحيلولـة دون انتشــاره، وعلى رأسهـا تدبيـر إغــلاق الحدود، وهــو تدبيـر بقدر ما شكل تدبيـرا سياديـا للدول، اعتبارا لأدوارها والتزاماتها السياسيـة والقانونيـة في حمايــة الصحـة العامـة، بقدر ما أفــرز مشكـلات جانبيـة ذات أبعـاد سياسية واجتماعيـة وقانونية وإنسانيــة، ارتبطــت بالمواطنيــن الذين حكمت عليهم إجــراءات فرض حالات الطوارئ الصحية وما ترتب عنها من إغــلاق للحدود، التواجـد في الخارج بعيــدا عن أحضان الأوطــان.

والمغرب لم يخرج من هذا الاستثناء، في ظل تواجد عشرات الآلاف من المواطنين المغاربة العالقين بعدد من الدول، لا زالوا يناشدون الدولة من أجل العودة إلى الوطـن منذ أن تم اتخاذ قرار إغــلاق الحدود الجوية والبحرية والبرية، وهم مواطنين مغاربة، صادفت الجائحـة "الكورونيـــة" تواجدهم خارج الوطن، لأسباب مختلفة مرتبطة في شموليتهــا بالتطبيب والسياحة والدراسة، ولا زال أمر عودتهم إلى أحضــان الوطن معلقا إلى "أجل غير مسمى" بعد مضي حوالي شهرين من فرض حالة الطوارئ الصحية، مما دفــع بالكثير منهم إلى التعبير عن مشاعر القلق والغضب واللوم والإدانــة وفقدان الثقة في الدولة، عبر مقاطع فيديو تم تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبعضهم لم يجد حرجا في خرق حالات الطوارئ الصحية في عدد من البلدان، بالقيام بوقفات احتجاجية أمام عدد من السفارات وقنصليات المملكة المغربية بالخارج، وهو وضع شاذ، يجعلهم بين المنزلتين، فلا هم محسوبون على الجالية ولا هم داخل الوطن في ديارهـم بين أهلهم وديارهـم.

قد نتفهم خصوصية هذا الملف، وقد نتفهم أيضـا الصعوبات العملية التي تواجه الدولة في ظل جائحة عالمية فرضت إغلاق الحدود الوطنيـة، في إطار التدابير الوقائية والاحترازية التي تبنتها كل الدول ومن ضمنها المغرب، في إطار الحرص على حماية الصحة العامة، لكن في نفـــس الآن، فالدولة من الناحية السياسية والقانونية والمبدئيــة، تتحمل مسؤولية الدفاع عن مواطنيها وحماية سلامتهم الصحية في الداخل كما في الخــارج، ولا يمكن قطعا، التذرع بأية ذريعـة أو الاختفاء وراء أي مبــرر موضوعي أو قانوني، للتخلي عن مواطنيها العالقين في الخارج، في ظل اختبار وبائي، يلزم الدولة أن تحيط مواطنيها بكل مشاعر المحبة والرعاية والاهتمام والاحترام والتقدير، ليــس فقط لتدبير ناجع وفعال لهذا الملف الشائك، ولكن أيضا، من أجل استثمار الأزمة أو النكبة، في أفــق رسم معالم خارطة جديدة للمواطنة، تتأســس فلسفتها على "دولة" يكـون حالها، كحال "الأم"، التي تحيط أبنائها بكل مشاعر المحبـة والرعاية والعطف والحنان والوفاء، وتتعامل معهم على قدم المساواة، وعلى "مواطن" يحترم الدولة ويقدرها ويلتــزم بقراراتها، وينخــرط بدون قيد أو شرط، في حمايتها ورعايتها والدفاع عنها بمحبة ووفــاء وتقدير.

وإذا كانت الدولة تلجأ إلى الوثيقـة الدستورية لفرض بعض الواجبات الاستثنائية عل مواطنيها في بعض اللحظات الاستثنائية، كما حدث مع الاقتطاع من أجور الموظفين التابعين لمختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات التابعة لها لدعم "الصندوق الخاص بتدبيــر صندوق كورونا"، بمبرر الانخراط في ما تقتضيه الجائحة من ممارسات تضامنية، استنادا إلى الفصل 40 من الدستور الذي نص على ما يلي: "على الجميع أن يتحمل بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليـــف التي تتطلبها تنميـة البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعبــاء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البـــلاد"، فإن نفس الوثيقــة الدستورية، وضعت الدولة أمام جملة من الالتزامات حيال مواطنيها، ونشير في هذا الصدد على سبيل المثال لا الحصر، إلى الفصل 16 الذي نص على ما يلي: "تعمل المملكة المغربية على حمايـة الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنين والمواطنات المغاربة المقيمين في الخارج، في إطار احترام القانون الدولي، والقوانين الجاري بها العمل في بلدان الاستقبال"، وما ورد في الفصل 17 الذي نص على ما يلي: "يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة ..."، وما ورد في الفصل 20 الذي نص على "الحق في الحياة" الذي جعلت منه الوثيقة الدستورية، أول الحقوق الدستورية التي يقرها الدستور الجديد لكل إنسان، وأوكل أمر حماية هذا الحق للقانون، وكذا الفصل 21 الذي نص على أن "لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه وحماية ممتلكاته. تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميـــع".

وعليه، فكلها مبررات قانونية نصت عليها أسمى وثيقة قانونية (الدستور)، تفرض على الدولة، استعجال إيجاد الحلول الواقعية لطي ملف المغاربة العالقين في الخــارج، ليس فقط لاعتبارات قانونية وسياسية، ولكن لاعتبارات صحية وإنسانية، في ظرفيـة استثنائية حرجة ومقلقة، تستدعي الرعاية والمواكبة والتتبــع الصحي، وقبل هذا وذاك، للنجاح في اختبار "المواطنة" التي يبرز معدنها وتطفو حقيقتها في النكبات والأزمات والكوارث الفجائيـة، وتزداد خيبات الأمل ويرتفع منسوب الحسرة بالنسبة لهؤلاء المغاربة العالقين، وهم يتابعون أخبار دول أخـرى بادرت إلى إجلاء مواطنيها من دول مختلفة، وهم عالقيـن في دول في الجوار الأوروبي أو العربي، دون أن تتحرك الدولة لتخليصهم مما يعيشون فيه من ظروف حبلى بالقلق والمعاناة النفسية والصحية والاجتماعية، في ظل هيمنة الصمت الرسمي، رغم ما صدر عن بعض السفارات والقنصليات المعتمدة بالخارج من مجهودات للتخفيف من حدة الأزمة.

وفي جميع الحالات، لا مناص من التأكيد أن جائحة "كورونا" وضعتنا جميعا (دولة، مجتمع، مؤسسات، أفراد)، أمام "وضعية استثنائية" غير مألوفة وغير مسبوقـة، وتفرض تملك ملكة التفكير الرصين في "زمن الاستثناء" لاتخاذ الممكن والمتاح من القرارات، من أجل الخروج الآمن من الجائحة بأقل الأضرار والخسائر، وفي نفــس الآن، استثمار ما تحقق من مكاسب، من أجل تشكيل ملامــح "مغرب ما بعد كورونا"، ولأن التاريخ يدون النجاحات والإخفاقات ويسجل المواقــف، فلا مناص من استثمار خصوصيات هذه "اللحظة الاستثنائية"، والدولة بقدر ما اجتهدت في تدبير الجائحة بشكل أثار التقدير، بقدر ما يسجل عليها ترددها في احتضان أبنائها العالقين في الخارج وتركهم وجها لوجه أمام الجائحة وتداعياتها النفسية والصحية والمادية، في وقت أسرعت فيه مجموعة من الدول لإيجاد حلول عملية لمواطنيها العالقين، مما يفرض إنقـاذ ماء الوجه باستعجال اتخاذ ما يمكن اتخاذه قبل فـوات الأوان، وأي تدخل أو مبادرة بعد رفع حالة الطوارئ الصحية، سيكون حالها كحال الهدف الذي تم تسجيله بعد إعــلان الحكم عن نهاية المباراة، وبخصوص المواطنين العالقين في الخارج، فمن حقهم الاحتجاج أو التظاهر لإيصال معاناتهم إلى السلطات الرسمية، لكن ليس من حقهم الخروج عن النص، مهما كان المبرر أو الذريعـة.

ونختم بالقول إن ملف "المغاربة العالقين في الخارج"، هو "تمرين معقد" من تمارين اختبار "كوروني"، النجاح فيه، يقتضي الإصغاء إلى صوت الوطن والتحلي بقيم المسؤولية والتضحية والصبر ونكران الذات، بعيدا عن أرقام الحسابات والأهواء والنعرات... عسى أن تتم معالجة هذا الملف قبل حلول عيد الفطر، حتى يتسنى للعالقين قضاء عطلة العيد في أحضان الوطن بين أهلهم وذويهــم، لأننا ندرك أن الدولة أمام اختبار عسير وشاق، ونتمناها أن تكون في مستوى اللحظة وتكسب الرهان، فعند الامتحان يعز المرء أو يهــان... وهي مناسبة سانحة، لنوجه رسالة "مواطنة" بدون خلفيات ولا حسابات، للتمثيليات الدبلوماسية المغربية (سفارات، قنصليات) المعتمدة في الخارج، خاصة في الدول التي يتواجد بها "المغاربة العالقون"، من أجل العناية بهؤلاء المواطنين وإحاطتهم بكل أشكال الدعم المادي والنفسي ومواكبة وتتبــع أحوالهم الصحية في زمن الفيروس التاجي، من باب مسؤوليات وواجبات المواطنة، حرصا على صـورة المغرب التي يتربص بها الأعداء والحاسدين والمتربصين، في انتظار طي هذا الملف بشكل نهائي والعودة إلى أحضــان "وطن" يسـع الجميــع...

 

عزيز لعويسي