قال نابليون: "لن يذكر الشعب الفرنسي الانتصارات الكثيرة التي حققتها، لأن هزيمة واترلو مسحت من ذاكرته تلك الانتصارات، ولكن النصر الأكيد الذي حققته والذي سيعيش طويلا وسيتذكره العالم أجمع هو القانون المدني الفرنسي".

القوانين من المفروض أن تشكل فخر القوى السياسية التي تشرعها، وهي كما أكد نابليون توضع ليتذكرها الجميع ويتذكر بفخر واضعيها ويمجد المراحل التاريخية التي شرعت فيها.

كما أن القوانين التي تفتخر الشعوب بها وتترسخ في ذاكرتها إلى الأبد هي القوانين التي تشرع الحقوق وتحميها وتوسعها ـ قال الأب الروحي للقانون المدني الفرنسي جون ايتيان ماري بورطليس: القانون يأمر، يسمح، يعاقب، هذا الثلاثي يستعمله المشرع حسب احترامه لقيم الحرية الكونية أو العكس.

وهكذا فإن التيارات السياسية الديمقراطية والمتشعبة بالقيم الكونية للحرية والديمقراطية تشرع من خلال الاعتماد الكلي على خاصية –يسمح- وتشتق منها كلمات على منوالها- تعمم الترقية، تعمم التغطية الصحية، تؤمم...-وبالاعتماد في بعض الأحيان على التشريع من خلال استعمال خاصية-الأمر- ونادرا ما تلجأ أو تلجأ عند الضرورة القصوى إلى خاصية –تمنع-لأنها تيارات سياسية تفتح الطريق أمام شعوبها نحو الحرية والانعتاق.

التيارات السياسية السلطوية والديكتاتورية تشرع بالاعتماد على ثنائية: يعاقب، يأمر، وتشتق منهما كلمات: يسجن، يعاقب، يغرم...ونادرا وقليلا ما تستعمل أو تلجأ إلى يسمح.

كما أن التيارات السياسية السلطوية والديكتاتورية تتميز بشهيتها الكبيرة للتشريع خارج ما أكده بورطميس من أن القانون من المفروض أن "يأمر- يسمح- يعاقب- هذه الشهية الكبيرة تدفعها إلى إصدار القوانين تحت يافطة الثرثرة القانونية، وعندما نثرثر قانونيا تفقد القاعدة القانونية ركائزها الثلاث، ما سيدفع السوسيولوجي الفرنسي جورج بورديو إلى القول: "إن القاعدة القانونية لم تعد عامة، ولم تعد مجردة، ولم تعد دائمة".

وأكد تقديم مشروع قانون 22-20 من جديد، أن مغرب الأحزاب السياسية ومغرب الأغلبية البرلمانية ومغرب الحكومة، مغرب يخاف من مواطنيه، والخوف من المواطنين يدفع الطبقة السياسية إلى تقديم مشاريع القوانين التي تقيد وتكبل حريتهم.

-1)مشروع القانون 22-20 ومسؤولية اليد المسؤولة

عمل الدستور المغربي على توضيح المسطرة والمسؤولية عن كيفية تقديم مشاريع القوانين من طرف الحكومة، وهو بذلك كان يحاول أن يرسخ ويوضح ما يطلق عليها اليد المسؤولة التي تتحمل المسؤولية عن وضع مشاريع القوانين.

الدستور، وخصوصا الفصول (47-89-92-93) يحدد أن الوزير المعين المسؤول عن القطاع هو من يتحمل صياغة المشروع الخاص بقطاعه تطبيقا للبرنامج الحكومي. والوزير المسؤول عن صياغة مشروع القانون يتمتع (سلطة مقيدة-سلطة تقديرية) بسلطة مقيدة بما ورد في النص الدستوري والمواثيق الدولية (هنا من المفروض أن تتدخل الأمانة العامة للحكومة باعتبارها العقل القانوني للحكومة للتأكد من تطبيق السلطة المقيدة. ولكن اتضح بالملموس أن العقل القانوني للحكومة كان في غيبوبة)، وما ورد في البرنامج الحكومي المصادق عليه من طرف البرلمان (صاحب سلطة التنصيب)، وسلطة تقديرية جزئية للوزير أخذا بعين الاعتبار انتماءه السياسي وأفكاره ومعتقداته الشخصية. هذه السلطة التقديرية الجزئية توضع محل نقاش أمام الحكومة كجهاز جماعي للتداول والتنقيح والتعديل (المجلس الحكومي يتأكد كذلك من احترام البرنامج وعدم تجاوز الاختصاصات المحددة للوزير، خصوصا إذا ما أغفل العقل القانوني للحكومي التأكد من ذلك بعد استطلاع رأي القطاعات الحكومية).

وحيث إن التداول في المجلس الحكومي لا يخضع كبعض الديمقراطيات للتصويت وللفعل الأغلبي فإن رئيس الحكومة يتمتع داخل المجلس الحكومي بسلطة تقديرية واسعة للحسم في الأمور بعد الاستماع إلى كافة الآراء، وهو هنا يتمتع بميزة الانتماء إلى الحزب الحائز على المرتبة الأولى (السلطة التنظيمية –وسلطة اقتراح الوزراء-سلطة ترأس المجلس الحكومي)، بعد المجلس الحكومي، مشروع القانون يوجد أمام احتمال المصادقة أو التأجيل أو المصادقة مع ضرورة القيام بالتعديلات.

مشروع القانون 22-20 هو مشروع تمرد على الدستور وعلى المواثيق الدولية وبالتالي تجاوز السلطة المقيدة، الممنوحة لمن يقترح مشاريع القوانين والمتمثلة في ضرورة احترام النصوص الأعلى، وتمرد على البرنامج الحكومي باعتباره تجسيدا للمشروعية الشعبية، والتي تجسدت من خلال (سلطة التنصيب)، وأغار على حقوق الشعب الاجتماعي من خلال محاولة تشريع تكميم الأفواه، وتمرد على ظرفية الحجر الصحي وفتح صراعا مفتوحا مع الشعب الاجتماعي.

رسخ الدستور لليد التي تتحمل مسؤولية تقديم المشروع إلى المجلس الحكومي (وزير العدل)، واليد المسؤولة للعقل القانوني للحكومة (الأمين العام للحكومة)، واليد المسؤولة التي تتحمل مسؤولية المصادقة على المشروع بعد عرضه على المجلس الحكومي (رئيس الحكومة)، ولليد المسؤولة التي تتحمل المسؤولية بشكل تضامني (الحكومة).

توضيح الدستور لليد المسؤولة عن مشروع القانون 22-20 كان من المفروض أن يدفع اليد المسؤولة والمعلومة (رئيس الحكومة) إلى الخروج إلى الرأي العام لتحمل المسؤولية السياسية والدستورية أمام الشعب الاجتماعي، ولكن المشروع المعني أثبت للرأي العام الوطني أن اليد المسؤولة في البلد تفتقد للشجاعة السياسية للدفاع عن مشاريع أغلبيتها البرلمانية.

-2) مشروع القانون 22-20 واليد الخفية للمكاتب الإدارية والتكنوقراط ومحرري المشاريع واللوبيات

تبرأ الكل من مشروع القانون المتعلق بتكميم الأفواه، ومطالبة الوزير الذي اقترحه بمهلة دليل أن النص المقترح لقيط سياسي (إذا ما صدقنا التصريحات والبلاغات وتعاملنا بحسن نية معها). ومن المعروف في التجارب الدولية أن مشاريع النصوص اللقيطة سياسيا تكون متبناة في الغالب من طرف الأخطبوط الرباعي المشكل من التكنوقراط والمكاتب الإدارية ومحرري المشاريع واللوبيات؛ وهذه هي الجهات القوية المسؤولة عن التشريع من خارج الستار، ومشاريعها لا تحمل البصمة، وغير قابلة للنسب لجهة معلومة.

الحقيقة المرة التي يثبتها مشروع قانون 22-20 أنه ساعد المجتمع على اكتشاف أن هناك مشرعا استثنائيا مجهولا من خارج المشروعية الشعبية هو من يتحمل مسؤولية التشريع الفعلي، ولكن هذه الحقيقة لا تمنح صك البراءة للحكومة، لأن المشروع يحمل بصمتها ومر في المسطرة التشريعية القبلية (اقتراح المشروع –البرمجة في المجلس الحكومي-الارتباك الحكومي –المصادقة عدم المصادقة). ولكن عدم تبني المشروع سياسيا شيء خطير على الديمقراطية، لأنه يضرب في العمق التفويض الشعبي، ويجعل المشاريع التي يتم التداول فيها داخل المؤسسات الدستورية (الحكومة) لقيطة ولا تجد من يتبناها ويتحمل مسؤولية الدفاع عنها أمام الرأي العام، خصوصا أن السياسة هي كلام وتوضيح قبل كل شيء.

3) مشروع القانون 22-20 والحجر الصحي

قانون الحجر الصحي هو قانون يفترض تفعيل عمل الشعب الدولة (البرلمان والحكومة)، ولكنه قانون يمنع ضمنيا حركات الشعب الاجتماعي من النزول إلى الشارع، كما أن قانون الحجر الصحي هو قانون للتضامن والتكافل لمواجهة الجائحة، وبالتالي هو قانون من المفروض أن يجعل الشعب الدولة والشعب المجتمع في حالة هدنة بحكم القانون؛ وبالتالي يفرض حالة من الستاتيكو، مع العمل بالنصوص ما قبل الجائحة أو النصوص التي تشرع من أجل مواجهة الجائحة فقط.

الحجر الصحي هو نتيجة هجوم فيروس كورونا، وهذا الفيروس شل الاقتصاد الوطني، وبالتالي جعل الأشخاص المعنويين والذاتيين يخسرون لأنه كالحروب والآفات الطبيعية يضرب الرأسمال.

يقول انجيس ديتون صاحب جائزة نوبل في الاقتصاد لسنة 2015، في أحد حواراته: "لكي نضمن السلم الأهلي ونضمن تحريك المصعد الاجتماعي ونضمن ثنائية رابح، على الاقتصاد الوطني أن يحقق نمو يتجاوز الثلاثة في المائة سنويا، أما في حالة ما إذا حقق الاقتصاد الوطني نسبة نمو أقل من ثلاثة في المائة فلابد أن يفقد احد الأطراف شريحة لحمه المعتادة"، وحيث إن الحجر الصحي ومواجهة الفيروس ستجعل اقتصادنا يحقق نموا ضعيفا أو سلبيا، فإن على الجميع أن يحافظ على روح التضامن والتكافل حتى نقنع الجميع بتقبل الخسائر المشتركة (خاسر-خاسر)، لأن التضامن وحده من يمنح الشعب الواقعي القوة لمواجهة السنوات العجاف.

وفي هذا السياق لم يتقبل الرأي العام الوطني الإغارة الفاشلة التي قامت بها الحكومة على حقوقه وحريته (خارج الإجراءات المرتبطة بجائحة كورونا)، من خلال تقديم مشروع تكميم الأفواه، خصوصا وأننا مقبلون على سنوات عجاف من المفروض أن نواجهها بالتضامن والتآزر والتكافل والوحدة.

4)-مشروع القانون 22-20 ونهاية الأحلام الكبرى

منذ انهيار جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وانهيار الثنائية القطبية، وانتهاء عصر الثلاثين سنة المجيدة (1950-1980)، وبعد ذلك انتكاسة النيولبيرالية بعد الثلاثين السنة البغيضة (1980-2010)، انهارت الأحلام الكبرى للمعسكرين. وفي هذا السياق يؤكد الفيلسوف مارك فلورباي في كتابه -الرأسمالية والديمقراطية أي بديل للقرن الواحد والعشرين- أن الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين لا تقترح حلما كالحلم الاشتراكي أو الحلم الليبرالي أو الحلم الاجتماعي الديمقراطي، إنها لا تشبه الحلم بالمرة.

وبالتالي فإن الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين تؤكد موت الوعود الكبرى، وتؤكد كذلك أن الوعود الكبرى لن تأتي من حزب جديد أو من زعيم حزب ملائكي، يمتلك كاريزما وحضورا إعلاميا واسعا، ولن تأتي من إيديولوجية جديدة منظمة وموضوعة في قالب جاهز؛ وبالتالي يجب القطع مع التغيير من خلال مراسيم (ميشيل كروزيي) لأن التغيير هو سلسلة من المراحل المتدرجة.

نهاية الأحلام الكبرى والفردوس الموعود كان له تأثير كبير على نافذة الفرص التي كانت المواعيد الانتخابية تفتحها أمام المواطنين والشعوب، وبالتالي ذهبت سطوة الأحزاب والأيديولوجيات التي كانت تستعمل في المواعيد الانتخابية، ومعها سقط بريق الأمل في التغيير الذي كان تحمله المواعيد الانتخابية، وصارت هذه المواعيد مواعيد عادية في تاريخ الشعوب، بل وصارت هذه المواعيد فرصة للشعوب لتدمير الأحزاب التاريخية الكبرى (الحزب الاشتراكي الفرنسي-الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية-...).

غياب الأحلام الكبرى نزع تلك الهالة والقدسية عن الأحزاب وعن المؤسسات المنتخبة، وبالتالي لم تعد الأحزاب السياسية تمتلك ميزة الحديث عن المستقبل وعن امتلاك العصا السحرية، بل صارت لا تصدق من خلال الوعود، بل من خلال المنجزات، وهكذا فقدت الإرادة الشعبية القبلية قوتها وقدسيتها.

غياب الأحلام الكبرى ضرب البرامج الحكومية التي تنصب الحكومات من طرف الأغلبيات البرلمانية في مقتل، وصار الشعب الاجتماعي يتعامل مع المشاريع القانونية التي تنزلها الحكومة (الشعب الدولة) بشكل مجزأ، ولا يمنح ثقته إلا بعد الاطلاع على هذه المشاريع؛ وعند ذلك يمنح التفويض من خلال الترخيص أو يرفض ويحتج ويسقط المشاريع من خلال الشارع أو من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.

-5) مشروع القانون 22-20 والديمقراطية في مرحلة التمرين

(Démocratie en exercice)

الشعب المجتمع والشعب غير المسجل في اللوائح الانتخابية والشعب المقاطع وجزء من الشعب الانتخابي كان يرى في اختراع التكنولوجية الرقمية، وخصوصا الشبكات الاجتماعية، سلاحا فعالا ضد ديكتاتورية الفعل الأغلبي والديمقراطية العددية والديمقراطية المسطرية والتوافقات الحزبية والتوافقات البرلمانية والتوافقات الإعلامية الرسمية، وبشكل عام الديمقراطية دون الشعب، وبالتالي اعتبر التكنولوجية الرقمية والشبكات الاجتماعية سلاحه الإستراتيجي الذي لا محيد عنه في مواجهة هذا اللوبي، واعتبر هذا السلاح خطا أحمر من غير المسموح المس به، لأنه سلاح يساعد على ترسيخ الديمقراطية بالشعب ومع الشعب، كما قال أبراهام لنكولن: "الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب عن طريق الشعب".

أجهزة الشعب الدولة (الحكومة) كان مفروضا عليها التعايش مع التكنولوجيا الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي كما تعايش الحكام السابقون مع قدر اختراع المطبعة، إذ إن اختراع المطبعة مكن القوى الحية في العالم من إيصال صوتها عبر نسخ أكبر عدد ممكن من المطبوعات التي تعزز التواصل؛ وبالتالي كان الشعب المجتمع يؤكد ما قاله الباحث هيدر بروك: "مطبعتنا هي الإنترنت ومقاهينا هي شبكات التواصل الاجتماعي".

مسلحا بقناعة راسخة بأن التكنولوجيا الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي خصوصا خط أحمر، قاد الشعب الاجتماعي مقاومته لمشروع القانون 22-20 الذي أقر مشروعه الشعب الدولة (الحكومة)، هذه المقاومة أحدثت ارتباكا كبيرا لدى الحكومة ولدى الأحزاب المشكلة للأغلبية البرلمانية وأسهم في تعطيل المصادقة الحكومية القبلية على المشروع.

هذا التعطيل أثبت صحة ما أكدته أستاذة السوسيولوجيا في جامعة كاليفورنيا فرانسيسكا بوليتا في كتابها المهم الذي يحمل عنوان - الحرية اجتماع لا متناهي- (إضرابات-اعتصامات - تظاهرات-احتجاجات-انتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي...). في هذا الكتاب تشرح الأستاذة أن الدفاع عن الحرية يتطلب سلسلة لا متناهية من الاجتماعات اللامتناهية، على اعتبار أن هذه السلسلة من الاجتماعات اللامتناهية هي الوسيلة التي تجعل الحياة صعبة على الحكومات الشعبوية. وهذه الاجتماعات تمكن كذلك من لفت نظر الشعوب إلى القرارات اللاشعبية، وتمكن كذلك من تعطيل عملية المصادقة على قانون أو تغييره أو إلغائه، وتشجع القضاة على إلغاء القواعد غير الدستورية، وترجح الكفة لصالح المعتدلين في مراكز القرار، وتلزم الحكومات والمنظمات الدولية بالضغط على نموذج - مشروع دكتاتور قادم-.

تحرك الشعب الاجتماعي من أجل تغيير وسحب مشروع القانون 22-20 أثبت لنا وجود نوع جديد من الديمقراطية التي تحدد من خلال الممارسة وميزان القوى بين ثنائية –الشعب والمجتمع- وبالتالي انتقلنا من الديمقراطية الحاكمة إلى الديمقراطية في مرحلة التمرين؛ أي انتقلنا إلى نوع من الديمقراطية يبقى مرتبطا بطبيعة العلاقة بين الشعب الدولة والشعب المجتمع، ديمقراطية تواكب الحاكمين عند ممارستهم للسلطة، ولهذا سماها الباحث الفرنسي بيير روزنفلون "الديمقراطية في مرحلة التمرين".

6)مشروع القانون 22-20 والإرادة الفرجة

فكرة الإرادة الشعبية تعبر عن نفسها، ارتبطت دائما بذهاب الشعب إلى الصناديق. ولكن الذهاب للصناديق لم يعد يقنع الجميع فاتسعت الهوة بين الشعب الحقيقي والفعلي والواقعي (وهو الشعب الذي يحق له التصويت وهو الشعب غير المسجل في اللوائح الانتخابية والشعب المسجل في اللوائح الانتخابية)، والشعب الفعلي والشعب الانتخابي (هو الشعب الذي يمنح إرادته فعليا). بؤس السياسة وموت السياسة جعل الهوة تتسع يوميا بين الشعب الحقيقي والشعب الفعلي، هذه الهوة جعلت الإرادة الشعبية التي كانت الحصن الحصين والمقدس للشعب الدولة (البرلمان-الحكومة) تتآكل وتفقد قدسيتها .

هذه الهوة بين الشعب الذي مازال يحتفظ بإرادته ويرفض تفويضها والشعب الذي فوض إرادته للبرلمان والحكومة تظهر جليا عندما يقدم الشعب الذي فوض إرادته والذين فوض لهم الإرادة، أي الحكومة والبرلمان، على القيام بإجراءات أو قرارات لا تحظى بالإجماع أو تمس بحقوق وامتيازات أو لا تحقق الفائض المرجو من التدبير، ما يدفع هذا الشعب للخروج للتعبير عن سخطه ورفضه.

كل هذا يسبب تآكل المشروعية الشعبية ويحولها إلى مشروعية فرجة يتهكم فيها المواطن والمجتمع على الفرق الكبير بين الخطاب السياسي للأغلبية والحزب الحائز على المرتبة الأولى والقرارات المتخذة والمراسيم المصادق عليها ومشاريع القوانين المقترحة. وأمام هذا التناقض يبرز للوجود الشعب المجتمع ليحمل المسؤولية ويحتج ويعترض، وندخل بالتالي في المشروعية الفرجة. وهكذا يبرز التناقض الواضح بين المشروعية الشعبية المعبر عنها من خلال الوعود المقترحة في اللحظات الانتخابية والمشروعية الفرجة المتنقلة والمتغيرة عند كل قرار أو إجراء تتخذه الأغلبية أو الحكومة المنبثقة عنها سواء بالرفض أو بالقبول.

وهكذا اتضح أن المشروعية الشعبية صارت تتحول من زمنها القبلي إلى الزمن البعدي، وبالتالي قيدت حرية الأغلبية البرلمانية والحكومة المنبثقة عنها في اتخاذ القرارات.

-7)من القادة بحجم الأوطان إلى القادة بحجم الرجال العاديين

الديمقراطية البرلمانية والديمقراطية الحاكمة ارتبطت دائما بوجود ليس فقط أحزاب وبرامج قوية، بل وارتبطت كذلك بوجود قادة يمتلكون كاريزما استثنائية، أي قادة بحجم الأوطان.

الزعماء بحجم الأوطان هم الزعماء الذين أدوا ضريبة الدم وضريبة السجن وضريبة معارك التحرير الوطني ومعارك فرض الديمقراطية. الزعماء بحجم الأوطان كانوا في غالبيتهم زعماء قدموا ضريبة الاعتقال والسجن وضريبة الدم، مما منحهم ثقة شعوبهم وبالتالي لم يكونوا في حاجة إلى إثبات ولائهم للوطن، فماضيهم وتضحياتهم كانت بمثابة جواز سفر للعبور إلى قلوب الناس وكسب ثقتهم، كما أن غالبية الناس كان لها اعتقاد راسخ بأن هؤلاء الزعماء لا يمكن أن يفعلوا بشكل سيء.

طينة هؤلاء الزعماء كانت في غالبيتها مع تحرر البلدان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما كانوا في غالبيتهم مع الحقوق الفردية والجماعية. كما أن هؤلاء الزعماء كانوا في غالبيتهم ضد اللوبي المالي والاقتصادي ويصعب شرائهم وقيمهم وأخلاقهم كانت تجعلهم مترفعين عن المناصب والريع وعالم المال والأعمال والرأسمال.

وبالتالي على زعماء القرن الواحد والعشرين أن يتيقنوا من أن عهد القادة بحجم الأوطان قد ولى إلى غير رجعية (زمن عبد الرحمان اليوسفي وعبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي وعلي يعتة... قد ولى)، ونحن اليوم نعيش زمن القادة العاديين.. القادة العاديين لا يمتلكون ماضيا بحجم الوطن، بل لهم ماض شخصي أو حزبي أو محلي، وبالتالي فإن القادة العاديين يثبتون قدرتهم على الفعل الجيد من خلال الممارسة في الساحة التدبيرية من خلال المشاريع والسياسات العمومية وتحقيق الفائض، ووحدها الممارسة في الميدان تثبت قدرتهم على ترسيخ المشروعية الشعبية.

القادة بحجم الأوطان كانوا كذلك قادة يتقنون قيادة الجموع، وكانوا يتقنون كذلك كيفية تحقيق إرادة ورغبات هذه الجموع. في كتابه الذي يحمل عنوان "بسيكولوجية الجموع"، يؤكد الباحث كيسطاف لوبون أنه يجب الاعتراف بأن الجموع واقع ولا تتحرك دون قادة، وعلى السياسيين أن يمتلكوا فن التحكم فيا.

قدرة القادة على التحكم في الجموع هي الميزة الأساسية التي على رجال السياسة التوفر عليها، وبالتالي ليس المطلوب من رجال السياسة تلك الصفات التقليدية السلطوية فقط. ولكن القادة العاديين لا يتقنون اليوم إلا اتخاذ القرارات التي تحرك غضب الجموع، ولا يمتلكون شجاعة الخروج للدفاع عن قراراتهم أمام الجموع، والذي لا يملك فن قيادة وتلبية مطالب الجموع يلجأ طبيعيا إلى سن مشاريع القوانين التي تكبلها وتمنعها من التعبير عن رأيها .

القادة العاديون ليسوا فقط قادة بدون ماض وطني مرتبط بتأدية ضريبة الدم والاعتقال والسجن والنفي، وليسوا قادة غير قادرين على قيادة الجموع، بل هم كذلك قادة غير أكفاء. يقول جوزيف بارتلمي في كتابه "مشكل الكفاءة في الديمقراطية" إن غياب الكفاءة لدى الطبقة السياسية جعل الغالبية تؤمن بالشعار التالي: "أيا كان (وزير) هو جيد في أي مكان ويمكن في أي وقت نقله لأي مكان نريد وسيكون جيدا".

في المغرب ليس فقط مشكل الكفاءة هو الوحيد الذي تشكو منه الطبقة السياسية، ما يجعلها تفتح منصب المسؤولية أمام "رجال عاديين" ورجال غير أكفاء.. مشكل عدم الكفاءة حمل في طياته ما أكد عليه الباحث ايمل فاغيت في كتابه "عبادة اللاكفاءة" أن اللاكفاءة رسخت لدي الرأي العام اعتقادا بأن رجل السياسة هو رجل سيء في ما يخص الأفكار الشخصية ورجل ضعيف في ما يخص القدرة على توجيه التعليمات، والذي ليس له في الغالب عمل يقتات منه، وبالتالي يحترف السياسة، وبغياب الوظيفة السياسة يموت هذا السياسي جوعا.

احتراف السياسة في المغرب قتل السياسة وجعل المشهد السياسي والنقابي والاجتماعي محتلا من طرف نفس الوجوه ونفس الأشخاص، ونسي الكل ثنائية (الحياة السياسية-الحياة العادية)، ونسي الكل كذلك طريق العودة إلى الحياة العادية والتقاعد والتداول.

الاعتقاد بأن الطبقة السياسية المغربية طبقة يبحث أصحابها عن المناصب والريع والامتيازات ترسخ كثيرا لدى المجتمع المغربي، خصوصا عندما ارتفعت أصوات عديدة تطالب بتقليص عدد البرلمانيين (تقديم مشروع تقاعد النواب) والتقليص من تعويضاتهم وإلغاء تقاعدهم وتقاعد الوزراء، لأن غالبية المواطنين كانت ترى أن السياسيين يريدون أن يحترفوا السياسة وأن يجعلوا منها مصدر رزقهم وتحسين ظروف عيشهم، وهذا ما لم يقبله المجتمع.

البحث عن ريع المناصب جعل السياسيين يتهافتون على الوصول إلى هذه المناصب، دون التفكير في اليوم الثاني، أي اليوم الذي يتلو يوم الوصول إلى هذه المناصب، وبالتالي غابت البرامج وغابت الأفكار. وفي هذا الصدد يقول بيل بلازيو عمدة نيويورك عن حملة هيلاري كلينتون: "لم تقدم لنا السيدة هيلاري كلينتون الأفكار القوية". أما الكاتب كيفان ويليمسون فقال عن حملتها: "نعرف أنها تريد أن تصل إلى البيت الأبيض ولكن لا نعرف ماذا تريد أن تفعل بعد الوصول إلى البيت الأبيض". وبالتالي فإن البحث عن المناصب والريع قتل السياسية.

غياب القادة بحجم الأوطان وغياب القادة الأكفاء وعدم تغيير الطبقة السياسة والبحث عن المناصب والريع جعل الطبقة السياسية تستميت في الدفاع عن مناصبها، خصوصا عند نهاية الولايات التشريعية، حيث تعمد هذه الأخيرة إلى اقتراح نصوص تقيد الحرية أو نصوص تعيد النظر في التقطيع الانتخابي أو نصوص تهم نمط الاقتراع، من أجل تعبيد الطريق من جديد للبقاء في السلطة. وفي هذا السياق يندرج تقديم مشروع القانون 22-20، ولكن الشعب الاجتماعي كان لها بالمرصاد وصد الغزوة التي كانت تستهدف حريته.

الخاتمة

يقول الكاتب ياشا مونك في كتابه "الديمقراطية الفرجة" إن الإحصائيات الدولية المتوفرة تثبت أن المواطنين في العالم طوروا ولاء جديدا تجاه الأنظمة السياسية التي توفر لهم السلام وتملأ حافظة نقودهم. أما الأنظمة التي لم تستطع تحقيق ذلك فدخلت في مرحلة أطلق عليها الكاتب أزمة الكفاءة.

في المغرب اتضح أن الانتخابات لم تعد تفتح نوافذ الأمل، ولم تستطع توفير الأمن الاجتماعي ولا ملء حافظة النقود للمواطنين، ما يعني أن معطى أزمة الكفاءة صار مترسخا. لكن الحكومة الحالية لم تكتف فقط بالعجز عن ملء حافظة النقود ولكنها اليوم تحاول أن تمس بالسلم والتضامن (من خلال مشروع القانون 22-20) والتكافل الوطني الذي حاولت ترسيخه الإجراءات الخاصة بمحاربة فيروس كورونا.

جائحة كورونا تفرض علينا تدبير السنوات العجاف المرتبطة بزمن مواجهتها، وكذلك الزمن المتعلق بإنعاش الاقتصاد والحياة الوطنية بعد مقاومتها، ما يفرض علينا جميعا ردم الهوة بين الشعب الحقيقي والشعب الانتخابي، حتى لا نفتح علينا جميعا أبواب جهنم؛ فمن يخبر اليد المسؤولة سياسيا عن مشروع القانون 22-20 بأن المثل الشعبي القديم يقول "ما هكذا تورد الإبل يا عمر".

المنتصر السويني