إذا كانت السريالية باعتبارها فنا من الفنون التعبيرية، تثير الدهشة و الغرابة والسؤال بسبب

ما يطبع فسيفساء تركيب لوحاتها من تباين يصل حد التناقض، تأكيدا من أصحابها على

البعد عن الحقيقة والحصول على نتائج غير منطقية ومذهلة تصدم المشاهد بموضوعاتها و

بتشكيلاتها اللامعقولة. فإن كان هذا في هذا الفن بما فيه من توابل الخيال المجنح، فكيف إذا

كان واقعا معيشا، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟

فهل هناك سريالية أكثر مما هو ظاهر للعميان وليس للعيان فحسب. كيف يفترش قوم أرضا

واحدة، و يلتحفون سماء واحدة، فكيف تعيش قلة قليلة محلقة بين النجوم رغدا و رفاها في

سكنها وفي مشربها وفي زيها ورياشها وفي وسائل تنقلاتها و في تمدرس أبنائها وفي قضاء

عطلهم وفي تطبيبهم وفي لعبهم وألعابهم، بينما تلتصق الأغلبية في التراب غارقة في الوحل

لا تزال تقتسم مع الهوام والدواب ماءها ومرعاها؟

غريب أمرنا وعجيب. ففي الوقت الذي نجد لدى أولئك فائضا في كل شيء، ما تستقبله

قماماتهم أكثر مما يستهلكون، و لا يفتئون يقولون هل من مزيد، نجد هؤلاء يعيشون على

الكفاف أو دونه خرط القتاد. عدد غير قليل منهم لا يزال يعيش حياة بدائية بمعنى الكلمة، ل

في مأكلهم الذي لا يتجاوز ما تجود به الأرض من خشاش، أو ما يصطادونه بوسائل بسيطة

من ذئاب و ثعالب وأرانب. أما مشربهم، فكل آمالهم أن يجدوا ما يقتسمونه مع بهائمهم دون

السؤال عما إن كان صالحا للشرب أم لا. والطامة مأوى فئة منهم، حوالي ستين أسرة لا

تزال تعتصم بالكهوف مساكن لها، غير بعيد عن حواضرنا العريقة فاس ومكناس، بقرية

البهاليل، يطلقون عليها تلطفا بهاء الليل.

و أفدح من ذلك و أفضح، فمَنْ مِنا لا يذكر قصة البطاقة الوطنية التي سارت بذكرها

الركبان، تحمل عنوان مواطن مغربي "مرحاض سيدي أحمد حجي سلا". وهو نفس عنوان

زوجته، فيه ولد أطفاله وكبروا، و كانوا مثار سخرية أقرانهم بالمدرسة بسبب سكنهم هذا.

ألا تستدعي حكاية الكهوف لوحدها والسكن بالمراحيض أكثر من سؤال على المتهافتين

على الاغتناء بدون عناء، و خاصة طبقة السياسيين، ممن لا هم لهم غير تسمين تعويضاتهم

و تأمين تقاعدهم أبد الآبدين، وكأن السياسة وظيفة أو رسما عقاريا يبيض ذهبا، و ليست

عملا تطوعيا يختاره السياسي بمحض إرادته، و بهذه الصفة يقدم نفسه للمواطنين ليخدمهم

لا ليخدم مصالحه الشخصية.

ربما يتساءل البعض عن سبب هذا الانزياح نحو منطقة البؤس القاتمة هاته؟ السبب بسيط

للغاية هو ما ورد في إحدى البرامج الإذاعية، على لسان أحد البرلمانيين، و هو يعدد

امتيازاتهم الخيالية (تعويض 36 ألف درهما + الاستفادة من الإقامة في فنادق صنف أربع

نجوم + بطاقة بنزين حسب الكلم أو تذكرة طائرة + هواتف + تعبئة غير محدودة).

والطامة كما ذكر أنه كم واحد منهم يحضر بسيارة الجهة أو الجماعة ببنزينها و سائقها ومع

ذلك يستفيد من الدعم. أما لما طفق يعدد تداخل مهام بعضهم واستفادتهم من التعويضات عن

كل واحدة على حدة، كاستفادته من تعويضاته البرلمانية و من رئاسته لجهة أو لمجلس

حضري أو قروي، واستفادته إن كان عضوا بمكتب مجلس البرلمان ومن عضويته في

المجالس الإقليمية، المحصلة يقول بأن هناك من تصل تعويضاته إلى سبعين ألف درهما إلى

ثمانين شهريا. وعند كل استحقاق، و بدون أن يتعرق لهم جبين أو يرف لهم جفن، يتحللون

من ربطات العنق و يرتدون الجينات العادية والقبعات الشمسية و ينزلون إلى الأسواق، و

كأن الناس قطيع تنطلي عليهم تغيير المظاهر.

ومع كل الامتيازات تجد فيهم من يعميه الجشع والطمع، حتى يُقْبض عليه متلبسا بتهم ثقيلة

تهم تبديد أموال عامة والارتشاء واستغلال النفوذ. فهل هناك سريالية أكثر من هذا، لما تجد

حاميها حراميها؟



بوسلهام عميمر