يعد تخليد ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال لـ11 يناير 1944 محطة بارزة في تاريخ المغرب المعاصر للعودة لانبثاق الأمة المغربية الحديثة، ومنطلقا لتغيير مسار الهيمنة التي فرضت عليه مع مطلع القرن العشرين باغتصاب حريته ووأد استقلاله، باستغلال ظروفه الداخلية التي عرفت ضعف السلطة آنذاك. لقد أصبحت هذه الذكرى رمزا وطنيا رسميا، وعطلة بالنسبة لجميع قطاعات الدولة منذ سنة 1986. وهي تعتبر ثاني مرحلة بعد الإعلان الأول الذي قام به نخبة من الشباب الحضريين والمتعلمين الغيورين على أصالة البلد، والمتطلعين إلى المساهمة في نشأة وطن معتز بمكوناته وثوابته، ألا وهو إعلانهم الاحتفال بعيد العرش ابتداء من سنة 1933، وإقرار يوم 18 نونبر، تحديا لجبروت وهيمنة المستعمر. ثم أعقبته هذه المحطة التي سنتحدث عنها، تزامنا مع ذكرى توقيعها، حيث كانت الانطلاقة الثانية في إذكاء انتشار الوعي الوطني للمغاربة لإزاحة هيمنة الحجر والحماية، وبتوافق وانسجام مع عاهل البلاد آنذاك السلطان سيدي محمد بن يوسف.

سنحاول وضع وثيقة المطالبة بالاستقلال في إطارها التاريخي من تاريخ المغرب المعاصر، المغرب الذي استمر لمدة 13 قرنا حرا مستقلا، ومثل الاستثناء بالنسبة إلى غالبية الدول العربية الأخرى، إلى أن فقد استقلاله بداية القرن العشرين، وحتى ذلك الحين بقي حصنا منيعا استعصى على الدول العظمى اختراق حدوده، إلى أن اتحدت ضده مجتمعة ( في إطار مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906) وآنذاك تم اقتسام أرضه بين سلطات استعمارية مستبدة، تحت ذرائع ملتوية، بإرغامه قسرا على توقيع معاهدة الحماية، بتاريخ 30 مارس 1912، وتم تقسيمه بين إسبانيا في الشمال والجنوب، فرنسا في الوسط، بالإضافة إلى منطقة دولية في طنجة.

فقد بدأ الاحتلال سنة 1907 بغزو القوات الفرنسية لمدينة الدار البيضاء، بالتزامن مع احتلال مدينة وجدة، ثم باقي أجزاء جهة الشاوية سنة 1908، نظرا لأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية. ثم فرضت سلطات الحماية نظام الإقامة العامة على المغرب، وهو نظام عسكري وإداري مباشر، يخدم مصالح المستعمر الفرنسي واحتكاره للمناصب والوظائف السياسية والإدارية الهامة، وتهميش أصحاب الأرض وحصرهم في خانة الأهالي Indigènes.

فقد حاول النظام الاستعماري تحطيم الوحدة المغربية وفك الروابط بين مكونات الشعب، ومنعهم من المشاركة في حكومة بلدهم وحرمانهم من الحريات الشخصية والعامة، مع أن المغاربة شاركوا إلى جانب الحلفاء في الحربين العالميتين، وقدموا إنجازات هامة في الميدان.

وفي الجانب الاقتصادي هيمنت الرأسمالية الفرنسية على كل جوانب الحياة في هذا المجال، واحتكرت لصالحها التجارة الداخلية والخارجية، واستحوذ المعمرون على الأراضي الفلاحية الخصبة. فقد انتقلت ملكية الأراضي من أصحابها بطرق غير مشروعة، فمن بين خمسة ملايين من الهكتارات المستغلة آنذاك، فإن ما يزيد على مليون منها، وهي أخصب الأراضي، انتقلت إلى أيدي الأوروبيين عن طريق نزع الملكية، باستغلال ضعف الوعي وحاجة السكان، ونفوذ سلطة المراقبة المدنية بالضغط على الفلاحين لبيع أراضيهم، مع تعمد المستعمر عدم سن قانون يحمي الملكية العائلية، ولذلك فإن الفلاحين المغاربة، البالغ عددهم أكثر من مليون نسمة في تلك الفترة، لم يبق لهم سوى مساحة دون الأربعة ملايين من الهكتارات لاستغلالها. فقد ترتب عن ذلك أن أصبح معدل مساحة قطعة الأرض التي يملكها المغاربة لا تتعدى ثلاثة هكتارات. ومن مساوئ هذا التقسيم للأرض أنه يؤدي إلى الفقر والوقوع تحت طائلة الديْن وتشجيع نزع الملكية من قبل الأوربيين الذين أصبحوا يتمتعون بثراء نتيجة سوء التوزيع، إذ أن معدل الملكية الأوربية يصل إلى 300 هكتار. وإنتاج الهكتار أكثر بكثير مما هو عليه لدى الفلاح المغربي، وذلك ناتج عن السيولة النقدية التي توفرها سلطات الحماية للمعمر الأوربي والقروض بدون فائدة، والتي قد يصل مداها إلى 99 سنة، بينما الفلاح المغربي لا يستفيد إلا من القليل وبفائدة مرتفعة، أضف إلى ذلك أن الفلاحين الذين نزعت ملكية أراضيهم أصبحوا عمالا في ضيعات الأوروبيين مقابل أجر زهيد..

إن كان الاستعمار استولى على خيرات البلد المادية، فإن الجانب اللامادي أو المعنوي، المتمثل في الحفاظ على الوحدة والتلاحم والانسجام الذي تحلى به الشعب المغربي بقيادة عاهله السلطان سيدي محمد بن يوسف، ونضج الوعي الوطني لدى النخبة المغربية، وهي عوامل لم تكن في حسبان السلطات الاستعمارية، ولعبت دورا أساسيا في نشر الوعي للمطالبة بالحقوق دون الإخلال بالواجبات داخليا والتعريف بها على الصعيد الدولي، إحقاقا للحق وإزهاقا للباطل.

فبعد أن كان المقيم العام المارشال ليوطي، أول مقيم عام ( من ماي 1912 إلى شتنبر 1925) يحول دون ولادة الروح الوطنية المغربية، ويوقف نموها بما في ذلك مقابلتها بالمواجهة الصريحة، فإن خلفائه من المقيمين العامين، قللوا من شأنها، ثم حاولوا القضاء عليها بالقوة قمعا وتعنيفا. ومن ذلك ما سمي بالإصلاح حسب مفهوم المستعمر دون مراعاة خصوصيات السكان الأصليين، والذي كان يبدو إداريا، لكنه في العمق كان سياسيا، ألا وهو إقرارهم للظهير البربري الصادر في 16 مايو 1930، والهدف منه التفريق بين مكونات الشعب المغربي بفرض جهاز قانوني قبَلي معقد، وذلك على عهد المقيم العام: لوسيان سان Lucien Saint (1929-1933) القادم من تونس، هذا الظهير الذي اعتبرته النخبة الوطنية آنذاك بكونه يحمل بين طياته إساءة إلى المقدسات الدينية، وقد تزامن مع ظهور حركة تبشيرية كاثوليكية في بعض المناطق من المغرب والتي يسكنها الأمازيغ. مما جعل النخبة الوطنية تقف ضده وتطالب بإلغائه، وقد استعملت في ذلك مقاومة سلمية عن طريق التظاهر وقراءة اللطيف في المساجد. وقد ترددت أصداء هذا الظهير المشئوم خارج حدود المغرب، فأصبح قضية مغربية تعاطف معها العالم الإسلامي من تونس إلى القاهرة فبغداد. ووجه خلالها المفكر اللبناني، الأمير شكيب أرسلان (1869-1946)، نداء إلى المسلمين يدعوهم لمساندة إخوانهم المغاربة حفاظا لعقيدتهم وصونا لهويتهم.

ووجدت حينها الشرطة الفرنسية صعوبة في قمع المظاهرات الهائجة، فنتج عن رد الفعل ضد الظهير البربري، أن تولد وعي وطني وانبعث الحماس في الناس، وخاصة فئة الشباب المتعلم، القاطنين في الحواضر.

ومن هنا بدأت بوادر الحركة الوطنية تلتئم وتتقوى مع ظهور بعض الزعماء الشباب منهم أحمد بلافريج (1908-1990) – علال الفاسي (1910-1974) وآخرون.

فبدل أن تلجأ الإدارة الفرنسية إلى استعمال العقل والترزن، ركبت رأسها في عناد، ورفضت البحث في إمكانية الوصول إلى تفاهم مع الوطنيين.

وتقدم الوطنيون بعد إلغاء الظهير البربري، ما بين 1934 و 1936 بجملة من المقترحات الإصلاحية إلى الحكومة الفرنسية، تحتوي على مخطط مفصل يشمل كل ناحية من النواحي الوطنية. ونبهوا فرنسا إلى أن دور سلطات الحماية ينبغي أن يقتصر على ما نصت عليه معاهدة الحماية، أي دور النصح والإرشاد.

وفي فاتح دجنبر 1936 قدم أعضاء كتلة العمل الوطني وثيقة مطالب الشعب المغربي الإصلاحية والمستعجلة.

ثم جاءت أحداث بوفكران، حيث حُرم سكان منطقة مكناس من مياه الوادي التي وجهت لسقي ضيعات المعمرين، بداية شهر شتنبر 1937. آنذاك قامت المظاهرات التي وُوجهت بعنف من سلطات الحماية. وبعد هذه الأحداث تأسست أحزاب جديدة، منها حزب الحركة القومية الذي أصبح يسمى حزب الشورى والاستقلال، وحزب الوحدة المغربية، وحزب الإصلاح، والحزب الشيوعي، والحزب الوطني الذي أصبح يسمى حزب الاستقلال. وظهرت العديد من الصحف، وخاصة تلك التي يديرها وطنيون معتدلين. وَوُجّهت وثيقة إلى السلطات الاستعمارية للمطالبة بالعديد من الإصلاحات كما تسببت هذه الأحداث في العديد من الاعتقالات ونُفِي بعض أعضاء الحركة الوطنية، إلى مناطق في المغرب أو إلى الخارج، ومنهم الزعيم الوطني وأحد مؤسسي حزب الاستقلال علال الفاسي، الذي نفي إلى إحدى المستعمرات الفرنسية في إفريقيا آنذاك وهي الغابون، ثم الكونغو، وبقي هناك لمدة تزيد على تسع سنوات.

ونظرا لارتباط المغرب باتفاقية الحماية، فقد شارك المغاربة في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء، بين مجندين ومتطوعين في مختلف المهام في إطار عصبة الأمم، وساعدوا فرنسا على تحرير نفسها من الاحتلال النازي، فقد بلغ عددهم حوالي 300000 رجل، بينهم أكثر من عشرين ألفا شاركوا في القتال، وقتل منهم عدد هائل بالإضافة إلى الذين رجعوا معطوبين جسديا أو مختلين عقليا، نظرا لظروف الحرب والمناخ والتضاريس التي تختلف عما تعودوا عليه.

كان لسقوط باريس، واحتلال جزء هام من الترابي الفرنسي من طرف القوات النازية، وإجبار فرنسا على توقيع الهدنة مع ألمانيا شهر يونيو 1940 أثرٌ بالغ في تدهور درجة حظوتها، وتراجع نفوذها بين الدول كقوة اقتصادية وعسكرية، الشيء الذي رفع من معنويات الحركة الوطنية بالمغرب، وجعلها تعمل على توسيع نفوذها وتقوية نشاطها.

كما كان لانعقاد مؤتمر أنفا شهر يناير 1943 بالدار البيضاء دور أساسي في إذكاء الحركة الوطنية المغربية. هذا المؤتمر الذي هيئ في إطار من السرية التامة تخوفا من قوات المحور، وعلى رأسها ألمانيا، وقد شارك فيه كبار قادة دول الحلفاء للتخطيط لتوجّه جديد في مواجهة الحرب وتوحيد الصفوف ودخول القوات الأمريكية ميدان المعترك، وجمع كل من الرئيس الأمريكي: فرانكلان دولانو روزفيلت، ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، وعن فرنسا الجنرالان شارل دوغول وهنري جيرو، يمثلان القوات الفرنسية الحرة، بينما اعتذر رئيس الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين، وبمشاركة جلالة السلطان سيدي محمد بن يوسف مرفوقا بولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن الذي وصفه هاري هوبكنز وونستون تشرشل والجنرال نوغيس، بأنه "ولد ذكي في نحو الثالثة عشرة من عمره"، كما حضر إلى جانبهما الصدر الأعظم السي محمد المقري. هذه المشاركة أريد لها أن تكون رمزية فقط، إلا أن تدخلات الملك، ومحادثاته المطولة مع الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني، مطالبا بحقوق المغرب، كان لها صدى قويا في المؤتمر، وأبهرت المؤتمرين، حيث تحدث معهما ندا للند ودون رقابة فرنسية. وكتب جورج سبيلمان الضابط في مخابرات الإقامة العامة في كتابه "المغرب من الحماية إلى الاستقلال" ما يلي: "قبل حفل العشاء الذي أقامه روزفيلت، استقبل الرئيس، العاهل المغربي في سرية تامة. وعرض عليه آراءه بكل صراحة... حيث وصف الحماية الفرنسية كنظام متجاوز ويجب أن يحصل المغرب على استقلاله الكامل في أقرب وقت ممكن وفي أبعد الآجال بعد انتهاء الحرب، وأن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدته على تحقيق تطلعاته المشروعة نظرا لعبقرية شعبه وماضيه العريق والمجيد". نقل هذا الخبر بعد رفع السرية عنه، إليوت روزفلت ابن الرئيس الذي كان يرافقه. ويمكن اعتبار هذا الموقف لصالح المغرب نوعا من رد الاعتراف بالجميل لكونه البلد الذي اعترف باستقلال الولايات المتحدة عن المملكة البريطانية، منذ 20 فبراير 1778.

تبين من خلال هذا الحديث ظهور بريق من الأمل بتوعد الرئيس الأمريكي على مساندة المغرب في الحصول على الاستقلال مباشرة بعد انتهاء الحرب.

ومن الملاحظات التي أبداها الرئيس الأمريكي، أن المغرب يجب ألا يسمح للأجانب أن يمتصوا ثرواته، وأنه يجب أن يطور إمكانياته الاقتصادية لمنفعته الخاصة، وأن حكومة ذات سيادة يجب أن يكون لها إشراف كبير على الثروة في البلاد.

وقد كتب إليوت روزفلت كذلك عند تدوينه لتصريحات والده، "إن الحلفاء يجدر بهم أن يفرضوا رقابة عسكرية على المستعمرات الفرنسية هنا في شمال إفريقيا ".

وأضاف "لماذا يكون المغرب، وسكانه من المغاربة ملْكا لفرنسا؟"

وجاء في رسالة من الرئيس الأمريكي إلى سلطان المغرب، توحي بشعور من الاطمئنان حيث وعده بأن يعمل بنفسه عند انتهاء الحرب على التعجيل باستقلال المغرب. وربما لو كان الرئيس عاش مدة أطول لكان ممكننا أن يكون عند وعده على ما يرى المراقبون الفرنسيون (توفي روزفلت يوم 12 أبريل 1945) قبل أقل من شهر على انتهاء الحرب. وللإشارة فالرئيس روزفيلت ينتمي إلى الحزب الديمقراطي والذي من بين مبادئه الدفاع عن حقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

أما السلطات الفرنسية فكان لها رأي آخر في تمسكها باستعمار المغرب، وشد الخناق عن الحركة الوطنية، وخاصة بعد تعيين مقيم عام جديد، وهو الجنرال غبريال بيو (1943-1946)Gabriel Puaux والمعروف بقمعه للحركات الاستقلالية في سوريا ولبنان، فهو الذي كان مسؤولا عن حل البرلمان السوري وتعليق الدستور، وحل البرلمان اللبناني، وصرف الحكومة اللبنانية. وهو من الموالين لحكومة المارشال بيتان، التي كانت تتعاون مع ألمانيا النازية. كان ذلك في إطار مخطط للقضاء على الحركة الوطنية المغربية، التي ستزداد قوة وتماسكا والتحاما بتوافق وانسجام مع الجالس على العرش.

آنذاك بدأ الوطنيون بقيادة أحمد بلافريج ومحمد اليزيدي، يعدون خطط ما بعد الحرب، صحبة طائفة من الزعماء القدامى، وانظم إليهم عناصر من الشباب، أغلبهم متعلمون في المدارس العصرية.

في دجنبر 1943 أعلن ائتلاف حزب الاستقلال في اجتماع عقده قدامى الوطنيين والتجار والمدرسون وكبار موظفي الدولة وخريجو جامعة القرويين المنتمين منهم إلى جمعيات الخرجين في فاس والرباط وسلا ومراكش وأزرو ووجدة وآسفي ومكناس، واتخذ قرار المطالبة بالاستقلال التام في عريضة قدمت إلى الملك والمقيم العام وجميع الحلفاء عن طريق قناصلها.

ولقد شجع الوطنيين على مطلبهم الجريء للاستقلال الكامل تلك الضمانات التي خلقتها ظروف الحرب، وإعلان مؤتمر أنفا، مثلما فعله آخرون في بلدان أخرى كانت مستعمرة خلال تلك الفترة (منها استقلال سوريا ولبنان عن فرنسا سنة 1943). وكان زعماء الحركة الوطنية على اتصال دائم بالملك، والذي كان قد قرأ العريضة قبل إعلانها، بحيث كان يقف موقف العطف والتأييد التامّيْن.

الوثيقة كتبت بخط عبد الوهاب الفاسي في منزل أحمد مكوار بمدينة فاس، ساحة البطحاء، وقدمت نسخ منها يوم الثلاثاء 14 محرم 1363 الموافق ل 11 يناير 1944، لجلالة السلطان، والإقامة العامة، وقنصليات الدول الكبرى بالمغرب، وقنصل الاتحاد السوفيتي بالجزائر.

وصل عدد الموقعين على الوثيقة إلى 66، وكانت تشكيلة لوائح الموقعين تضم مختلف فعاليات المجتمع. وفي حوار مع محمد العيساوي المسطاسي، أجرته معه مجلة زمان، في عددها الصادر شهر يناير 2016، وهو آخر من غادر الحياة من بين الموقعين على الوثيقة، وكان حين التوقيع أصغرهم سنا، إذ توفي يوم 9 نونبر 2017 بمسقط رأسه بمكناس عن عمر ناهز 99 سنة، حيث صرح لما سُئِل عن عدد الموقعين: "لما قدّم السلطان وثيقة المطالبة بالاستقلال إلى مستشار الإقامة العامة، رد عليه الأخير متهكما، أن الوثيقة وقعها 66 شخصا فقط، وهؤلاء لا يمثلون المغرب. "

مثل الموقعون مدنهم بحسب الأعداد التالية: فاس 2، الرباط 11 سلا 6، مكناس 5، مراكش 4، آسفي 3، الخميسات 2، وموقع واحد عن كل من القنيطرة ووجدة وسطات وسيدي قاسم وتيفلت، وشخص كان يقيم بمدينة مانشستر الإنجليزية، وهذه المدن كلها تقع في الجزء الذي تحتله فرنسا باعتبار الوثيقة موجهة للإقامة العامة الفرنسية. وكان نصيب ثلاث مدن تقليدية بحصة حوالي %63 من مجموع التوقيعات، منها %36 خاصة بفاس، وكان من بينهم امرأة واحدة وهي السيدة مليكة الفاسي، ممثلة لنساء المغرب، (وهي ابنة عم وزوجة محمد الفاسي، وهو من الموقعين أيضا، كان حينها يشغل مدير جامعة القرويين، وأصبح أول وزير للتعليم بعد الاستقلال، ثم وزيرا للثقافة، كما أن ابنها سعيد الفاسي أصبح في ما بعد وزيرا للسكنى).

فخلال فترة إعداد الوثيقة وقبل صياغتها النهائية، قامت الحركة الوطنية بجمع التوقيعات من مختلف المدن التي بها تنظيم حزب الاستقلال لتوسيع قاعدة الانضمام إلى الحركة الوطنية، وتوعية فئات عريضة من الشعب المغربي للمطالبة بالاستقلال، رغم تحرك السلطات الفرنسية للوقوف حائلا دون هذا التواصل، ما بين قيادة الحركة وقواعدها، وشملت الاعتقالات العديد من الوطنيين حتى قبل التوقيع النهائي. وبالموازاة مع هذه العملية، توصل القضاة والنظراء والوجهاء، عبر التراب الوطني برسائل ملكية تحث الجميع على الالتفاف حول مشروع المطالبة بالاستقلال (وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الموظفين كانوا تابعين للسلطان مباشرة، يقوم بتعيينهم دون استشارة الإقامة العامة، بخلاف رجال السلطة المحلية الذين كانت تتدخل في تعيينهم وإقالتهم)، ودعوتهم لتقديم كل مظاهر الدعم والتأييد، وبعث الرسُل والرسائل إلى القبائل والمدن والقرى المجاورة لهم، للتجاوب مع هذه المبادرة التاريخية والمصيرية.

وقد نص قاموس "معلمة المغرب" في الجزء 18، على أن عريضة 11 يناير 1944 جاءت كنقطة تحول هامة في تاريخ الحركة الوطنية المغربية لأنها مثلت القطيعة مع مرحلة المطالبة بالإصلاحات ودخول مرحلة جديدة تميزت بالنضال من أجل إلغاء الحماية المفروضة على البلاد في سنة 1912.

ويذهب قاموس معلمة المغرب كذلك إلى أن خريجي المدارس العصرية بقيادة أحمد بلافريج لعبوا دورا أساسيا في تحضير الوثيقة، ورغبة حزب الاستقلال في استدراج مجموع قيادات الحركة الوطنية، وكسب تأييدهم لها. وأن الوطنيين كانوا يتوجهون من خلال هذه العريضة بالدرجة الأولى إلى القِوى الغربية وخاصة الحلفاء، لإقناعهم بحقوق المغرب المشروعة، فخاطبوهم بلغة تقرير المصير والديمقراطية متجنبين إضفاء الطابع الديني على مطالبهم، وهو ما قد تستغله فرنسا لتُظْهِر الوطنيين بمظهر المتعصبين للدين والمناهضين لقيم التقدم والتحرر بمعناها الليبرالي الغربي، وأيضا تفاديا لما وقع حين المطالبة بإلغاء الظهير البربري، ومحاربته عن طريق اللجوء إلى الخطاب الديني.

فالعريضة طالبت بالاستقلال ولم تعلن الاستقلال كأمر واقع، وأعلنت بوضوح عن طبيعة النظام السياسي الذي يطمح الوطنيون إلى تحقيقه، وهو نظام ملكي ديمقراطي.

وفي يوم 18 يناير رفع حزب الاستقلال مذكرة إلى جلالة السلطان، ومن بين ما جاء فيها أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتم إلا في إطار سيادة واحدة، ولا يمكن أن تكون هذه السيادة إلا في يد جلالة السلطان الذي هو منبع السلطتين التشريعية والتنفيذية.

كما حرص الوطنيون في هذه المذكرة على أن يُطَمْئنوا الفرنسيين وأن يؤكدوا لهم أن المغاربة لن يقطعوا حبل التواصل مع فرنسا. وأن مصالح الفرنسيين بالمغرب سوف تبقى محفوظة وأن الاستقلال المنشود لا يتنافى مع هذه المصالح.

العريضة همت المنطقة الفرنسية، أما الوطنيون بالمنطقة الخليفية بالشمال فقد سبق لهم أن اعتمدوا "ميثاقا وطنيا" في دجنبر 1942 يطالبون فيه باستقلال المغرب واستعادة وحدته الترابية في ظل النظام الملكي، ومما لا شك فيه أن أحمد بلافريج استلهم من هؤلاء الكثير من الأفكار التي يظهر أثرها واضحا سواء في مضمون عريضة الاستقلال أو في الاستراتيجية المتبعة لتقديم المطالب الوطنية.

أعقبت هذه الوثيقة بعد أيام قلائل، عريضة أخرى أطلقها أنصار محمد بالحسن الوزاني في الحركة القومية التي ستصبح "حزب الشورى والاستقلال" والذي كان حينها منفيا بثكنات الصحراء، وجاءت تأييدا لها.

المطالب الأصلية التي احتوتها الفقرات الأربع للوثيقة

1 - المطالبة بالاستقلال التام الناجز وتوحيد المناطق الأربع.

2 - المطالبة بضمان هذا الاستقلال من قبل جميع الدول المعنية بالأمر.

3 - المطالبة بقبول المغرب على أنه دولة موقعة على الميثاق الأطلسي.

4 - وجوب وضع دستور ديمقراطي حالا.

كان رد فعل المقيم العام على الوثيقة استفزازيا. أما الحركة الوطنية فقد اكتسبت شعبية واسعة، حيث تجمعت الجماهير خارج القصر الملكي، وعقدت اجتماعات في مختلف المدن، مثل آسفي ومراكش، ووجدة، وقد تجنبت الجماهير اللجوء إلى استعمال العنف، حتى قرر المقيم العام إلقاء القبض على أحمد بلافريج ومحمد اليزيدي، (ثم نفي بلافريج إلى جزيرة كوسيكا الفرنسية) واعتقل ستة عشر آخرين من الزعماء الوطنيين يوم 19 يناير، ولفقوا لهم تهمة التعاون مع الألمان، بقصد الإساءة إليهم.

ولما تسرب خبر اعتقال الزعماء، قامت مظاهرات بالآلاف يوم 29 يناير، والتجأت إلى العنف، كرد فعل لتصرفات السلطات الاستعمارية، وكانت أغلبها في منطقة القصر الملكي ودار المقيم العام بالرباط، وفي سلا. فأرسلت تعزيزات من القوات الفرنسية وأَطْلَقت الرصاص على المتظاهرين، وقُتِل عدد كبير منهم. وفي فاس بدأت المظاهرات سلمية، إلا أن حوادث الاعتقالات أدت إلى نشوب معارك عنيفة في الأحياء الإسلامية من المدينة التي يسكنها المغاربة، حيث قُتِل على الأقل ثلاثون مغربيا على أيدي الجنود السنغاليين، وزُجّ ببعض الآلاف في المعتقلات، كما قامت السلطات الفرنسية بمحاصرة هذه الأحياء، واتخذت عقابا من نوع آخر على مجموع سكانها، وذلك بأن قطعت عنهم الغذاء والماء والكهرباء مدة أسبوع.

أما في مراكش فإن الباشا التهامي لكَلاوي سخر قواته لقمع المظاهرات ومَنْعها. كما أن القوات الفرنسية منعت الإضراب العام الذي شنته الشغيلة في الدار البيضاء.

وقام المقيم العام بحركات انتقامية ذات دلالة واضحة على قوة الحركة الوطنية، إذ قام بعزل وزير العدل، محمد بن العربي العلوي (الملقب بشيخ الإسلام) لتعاطفه مع الحركة الوطنية، وكذلك فصل وزير التعليم ونائب الصدر الأعظم، وأغلق المدرسة الحرة في الرباط التي كان يشرف عليها بلافريج، وأغلقت جامعة القرويين في فاس وكوليج أزرو (ثانوية طارق بن زياد حاليا).

ورغم أن الحركة الوطنية قد قُمعت مؤقتا، فإنها استطاعت أن تجمع حولها عشرات الآلاف من المؤيدين الذين بدأ ينمو لديهم الشعور الوطني للمطالبة بالحرية والاستقلال في مواجهة السلطات الاستعمارية. وتعززت التنظيمات الحزبية عبر مختلف الحواضر المغربية.

إلا أن رد فعل الجنرال ديغول، رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة، كان أكثر غطرسة وتعنتا، حيث صرح بأن المغرب "مرتبط مع فرنسا بعروة وثقى لا انفصال لها" وأن الإصلاحات السياسية "لا يمكن أن يبحث فيها لأن وضع المغرب قد حدد بصورة نهائية في معاهدة الحماية".

وفي مارس 1945 تم تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال بالتمثل لدى عصبة الأمم، آنذاك بدأ حزب الاستقلال يسعى إلى تدويل القضية المغربية. وقدمت مذكرة أخرى أثناء انعقاد اجتماع الموقعين على معاهدة الجزيرة الخضراء، الذين اجتمعوا في تلك السنة للنظر في إعادة إقرار دستور طنجة.

قام المقيم العام غابريال بيو بتقديم مشاريع إصلاحات ابتداء من سنة 1945 بعد انتهاء الحرب، لكن حزب الاستقلال رفضها، وأعلن أنه لن يقبل الإصلاحات دونما الاعتراف بأن المغرب دولة مستقلة، وهي إصلاحات في مجملها اجتماعية واقتصادية، جاءت بمبادرة من ليون مارشال مستشار الإقامة العامة، والمراقب المدني جاك بيرك، المستشرق الذي سيصبح أستاذا بالكوليج دو فرانس، عالم سوسيولوجي وأنتروبولوجي، ويوجد حاليا بالرباط معهد جاك بيرك للأبحاث والعلوم الإنسانية والاجتماعية. ويتعلق الإصلاح أساسا بالفلاحة والتعليم والصحة.

إن حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال يشكل محطة بارزة في مسار الكفاح الوطني، وهي تحمل في طياتها رمزية تاريخية خالدة في سجل الكفاح الوطني المغربي من أجل الحرية والاستقلال، وتحقيق الوحدة الترابية والسيادة الوطنية، وذلك من خلال التحام العرش بالشعب، دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية والمقومات التاريخية والحضارية للمملكة المغربية، وبروز الشعور الوطني لدى المغاربة. وأكدت المندوبية السامية للمقاومة وجيش التحرير، بأن إحياء هذه الذكرى يتوخى التعريف بمضامين الملاحم الوطنية وأقطابها الخالدين وأمجاد الأمة المغربية وبتاريخها النضالي المجيد، وتلقين صفحاته وفصوله ودروسه وعبره إلى الناشئة والشباب والأجيال الجديدة حفاظا على الذاكرة.

كما تعتبر ثورة وطنية، ونقلة نوعية في النضال الوطني، نظرا للسياق التاريخي والظرفية التي صدرت فيها، حيث أذكت الوعي بالمسؤولية الوطنية لدى فئات عريضة من الشعب المغربي، وأعطت الدليل على نضجهم وجرأتهم على الدفاع عن حقوقهم المشروعة في المطالبة بتقرير مصيرهم من أجل إدارة شؤونهم بأنفسهم، دون خضوع للنفوذ الأجنبي، وأصروا على الاستمرار في النضال بفضل التنسيق والتلاحم بين العرش والشعب.

وتلت تقديم الوثيقة، محطات أخرى، منها زيارة جلالة السلطان سيدي محمد بن يوسف، مدينة طنجة الدولية في أبريل 1947، على متن القطار، مرورا بالمنطقة الخاضعة للحماية الإسبانية وذلك تأكيدا لوحدة الأراضي المغربية، وصولا إلى تلك الخاضعة للانتداب الدولي، ورغم أنه كان مرفوقا بالمقيم العام إيريك لابون Eric Labonne (1946-1947) فقد ألقى خطابا شهيرا يوم 9 من الشهر نفسه، وسط حشود من سكان طنجة والضواحي، محتجا على الوضع الاستعماري بلهجة دبلوماسية، وتناقلته الإذاعات عبر العالم، أبرز فيه مقومات الشعب المغربي وطموحاته في المطالبة بالاستقلال، لتبدأ بذلك مرحلة أخرى، اتسمت بالشد بين القصر والإقامة العامة…

أحمد لعيوني