دخلت إيران على خط المشاورات السياسية في العراق حول تشكيل حكومة جديدة بعد إعلان عبدالمهدي كرها الاستقالة من رئاسة الوزراء تحت ضغط احتجاجات لم تهدأ حتى بعد استقالته.

وعلى وقع هذه المشاورات يقوم قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني بزيارة للعراق تشمل لقاء مع المرجع الأعلى علي السيستاني الذي كان قد طالب بسحب الثقة من حكومة عبدالمهدي والذي أعلن بعدها مباشرة استقالته.

وتأتي هذه التطورات بينما يجري السياسيون العراقيون جولة مفاوضات على أمل التوصل لاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، فيما تتواصل الاحتجاجات المناهضة للسلطة القائمة والنفوذ الإيراني فيها، في الوقت الذي تتنامي فيه الدعوات لرحيل كامل الطبقة السياسية.

وبدأت الأحزاب السياسية حتى قبل أن يعلن البرلمان موافقته رسميا على استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي وحكومته الأحد، اجتماعات و"لقاءات متواصلة" لبحث المرحلة المقبلة في البلاد، حسبما أكد مصدر سياسي رفيع.

منظمة هيومن رايتس ووتش تتهم السلطات العراقية بالسماح لجماعات مسلحة بأزياء مدنية بخطف متظاهرين

وعلى البرلمان الذي تعرض لشلل هو الأطول في تاريخ العراق الحديث، التوصل إلى اتفاق على تشكيل حكومة تضمن توازن القوى وموافقة جميع الأطراف السياسية.

وفي ما يتعلق بالجارة الإيرانية صاحبة النفوذ الكبير في العراق، فإنها "لن تستسلم بسهولة"، بحسب ما يرى المحلل المختص بشؤون العراق حارث حسن.

وتكابد إيران لمنع انهيار المنظومة السياسية في العراق التي تشكل ضمانة لاستمرار نفوذها وتغلغلها في مفاصل الدولة.

وانهيار هذه المنظومة القائمة على المحاصصة الطائفية والتي يهيمن فيها الشيعة منذ 2003، يعني تضرر النفوذ الإيراني بشكل كبير مع ضيق كبير في الشارع العراقي من تدخلات طهران التي تجاوزت كل الحدود وأغرقت العراق في أزمات اجتماعية واقتصادية.

وتتهم شخصيات مقربة من إيران بتسهيل السطوة الإيرانية على مفاصل الدولة العراقية ونهب خيراتها.

وفي المقابل هناك المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني الذي دفع باتجاه سحب الثقة من عادل عبدالمهدي والمجتمع الدولي الذي أعرب عن إدانته للقمع الذي قوبلت به الاحتجاجات وخلف أكثر من 420 قتيلا، بالإضافة إلى ضغط الشارع.

وأفاد مصدر حكومي بأن الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني ومسؤول ملف العراق يزور الأخير من أجل إجراء محادثات حول الأزمة السياسية في البلاد.

وبعد شهرين من أول حركة احتجاجات عفوية انطلقت في بغداد ومدن جنوب العراق تعتبر بكل المقاييس عابرة للطائفية، ولدت القناعة لدى الكوادر السياسية العليا في البلاد بأن "التظاهرات أقوى من التدخل الأجنبي".

وتصاعدت مطالب المحتجين الذين ما زالوا يسيطرون على ساحات التظاهر بعد ما كانت تقتصر على فرص عمل وخدمات عامة، إلى إصلاح شامل للمنظومة السياسية التي نصبتها الولايات المتحدة بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

وأصبح تغيير الطبقة السياسية المتهمة بالفساد وتبخر ما يعادل ضعف الناتج المحلي للعراق الذي يعد بين أغنى دول العالم بالنفط، مطلبا أساسيا للمحتجين الذين يكررون اليوم في كل المدن رفضهم بقاء "الفاسدين" و"جميع السياسيين" الحاليين.

ووقف تحالف سائرون الكتلة السياسية الأكبر في البرلمان والمدعوم من رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر وتحالف النصر الذي يرأسه رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، إلى جانب المحتجين عبر رفضهم المشاركة في المفاوضات الحالية.

وقال حسن في هذا الصدد "إنهم يعلمون بأن السقف مرتفع للغاية ومن الصعب عليهم إرضاء الشارع"، مضيفا "إنهم لا يريدون مواجهة المزيد من الغضب والرفض"، في حين لم تتغير الطبقة السياسية التي تسيطر على مقدرات البلاد منذ 16 عاما والتي "لا تدرك كيف تتخلص من أساليب تفكيرها التقليدية".

وأكد أن "السيناريو الأفضل الآن هو تشكيل حكومة انتقالية ترسخ إطارا تشريعيا جديدا للانتخابات القادمة".

ويرى المحلل السياسي العراقي أن من يتولى القيادة "لا يحتاج إلى أن يكون خبيرا في السياسة بل يمكنه قيادة هذه المهمة وبالتأكيد يقدم وعدا بعدم الترشح للانتخابات".

وأكد مسؤول رفيع رفض كشف هويته تأييده هذا الأمر، مشيرا إلى أن الفترة "الانتقالية يجب ألا تستمر أكثر من ستة أشهر".

وقال رئيس البرلمان محمد الحلبوسي الاثنين إن البرلمان يعمل على بلورة قانون انتخابي جديد بهدف "استعادة الثقة بالعملية السياسية والانتخابية".

وبدأ في هذا السياق مشاورات مع رؤساء الكتل البرلمانية وممثلي الأمم المتحدة في العراق.

تغيير الطبقة السياسية المتهمة بالفساد أصبح مطلبا أساسيا للمحتجين الذين يكررون اليوم في كل المدن رفضهم بقاء الفاسدين وجميع السياسيين الحاليين

وفي غضون ذلك، يواصل محتجون تأكيد مطالبهم في بغداد ومدن أخرى في جنوب البلاد بينها الحلة والكوت والنجف المقدسة لدى الشيعة التي تعيش توترا شديدا منذ إحراق القنصلية الإيرانية مساء الأربعاء.

ويرى المتظاهرون إن مشكلات البلاد تتطلب حلولا جذرية تتجاوز استقالة عبدالمهدي. وقال محمد المشهداني وهو طبيب متظاهر في ميدان التحرير ببغداد الاثنين "نطالب بتغيير كامل الحكومة من جذورها".

وعلى مقربة منه قال طالب القانون الشاب عبدالمجيد الجميلي إن "هذا يعني أن على رئيس البرلمان المغادرة وحتى رئيس الجمهورية"، مضيفا "إذا تخلصوا من عبدالمهدي وجلبوا شخصا آخرا من الطبقة السياسية، فلن يتغير شيء".

واستمرت المواجهات ليل الأحد عند قبر محمد باقر الحكيم، أحد رجال الشيعة البارزين على بعد مئات الأمتار من ساحة التظاهر الواقعة في وسط النجف، بينما أطلق مسلحون يرتدون ملابس مدنية الرصاص على متظاهرين.

وتدخل زعماء عشائر صباح الاثنين لوقف المواجهات، لكنهم لم يستطيعوا الوصول لاتفاق، فيما خيم هدوء حذر على الناصرية عاصمة محافظة ذي قار التي يتحدر منها عبدالمهدي، حيث توقف العنف الذي اندلع بعد وصول قوات من بغداد سرعان ما انسحبت من المدينة.

وما زال المحتجون يحتشدون وسط الناصرية، مطالبين بـ"رحيل النظام" السياسي الذي يتهمونه بالفساد والفشل في تقديم إصلاحات لتحسين أوضاع مدينتهم.

واتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات العراقية بـ"السماح لمجموعات مسلحة بخطف الناس"، مطالبة إياها بـ"اتخاذ إجراءات صارمة" للحيلولة دون ذلك.