مقدمة:

البكاء يكون ظاهرا أو خفيا، أعني ذلك البكاء الذي يعبر عن الحزن العميق نتيجة كل مصاب جلل. لست سريع البكاء عادة، كما أنني بطبيعتي لا أتذكر من محطات حياتي سوى الذكريات الجميلة. ولكني أتذكر أنني بكيت مرة، أو مرتين، أو ثلاث مرات هذه السنة. لما توفي أبي رحمه الله في 25 غشت 2019، ولما توفيت أختي رحمها الله في 31 ماي 2019 بعد وفاة زوجها رحمه الله في 23 نونبر 2018.

كنت أود أن أحصل على الإنصاف ورد الاعتبار في حياة أبي رحمه الله، ولكنه توفي قبل أن تتحقق له سعادة رؤيتي أعانق مهنتي مجددا كرجل سلطة لم يتخل عن مبادئه الصالحة الجادة السليمة من أجل مغرب أفضل. ولكن لا يهم، فلعل الله أكرم أبي وحقق له السعادة الأبدية. فوحدهم الأشقياء من لا يسعون لإسعاد الناس في الحياة الدنيا... لا يهم، فسرعان ما سيأتي عزرائيل عليه السلام ليأخذني بدوري لألبي نداء ربي الذي سيعوضني، إن شاء عز وجل في علاه، على كل مآسي هذه الحياة الفانية... الحمد لله.

وبكيت أيضا يوم 27 نونبر 2019، بكاء قلبيا، لما اطلعت بالصوت والصورة على مداخلة أحمد الزفزافي، بالصدفة، عبر قنوات الاتصال المتاحة لكل من يتوفر على هاتف محمول ذكي، وهو يتكلم في وقفة احتجاجية مستعملا مكبر صوت يدوي لعلنا نسمع نداءه، و هو في حالة الإنسان الذي خلقه الله ضعيفا...

ابنه، ناصر، محكوم بالسجن لمدة عشرين سنة نافذة بمقتضى حكم قضائي... في الوقفة الاحتجاجية تلك، تظهر، في الشريط السمعي البصري، أم ناصر الزفزافي المصابة بمرض السرطان الفتاك وهي صامدة واقفة شامخة تحاول إخفاء ألمها ومعاناتها، أم حكم على ابنها، بـ 20 سنة سجنا...

أحمد الزفزافي، أب ناصر، جاء بكلام حكيم، فلا هو ولا ابنه انفصاليين، ولا الريف المغربي انفصالي، ولا هم ضد الدولة المغربية الأصيلة. كلام فصيح شفاف، والباقي مجرد تفاصيل لا تزعزع كيانا ولا هوية، ولا تخيف سكانا، ولا ترعب دولة قوية لها امتداد تاريخي تاريخي...

وبالتالي، فلا يمكن لكل متابع سياسي محترف كان أو مثقف موضوعي وطني متواضع، أو مواطن بسيط صالح يتمتع بقدر من الوعي، إلا أن يكون مع صناعة مبادرة خير طيبة لطلب العفو الملكي لصالح ناصر الزفزافي ومن معه.

1- شهادة لكل غاية مفيدة :

كان الأستاذ طارق السباعي، رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام، رحمه الله، قد أعلن عزم هيئته التوجه إلى الحسيمة الجوهرة المغربية من أجل مساندة حراك الريف عبر صفحته على "الفيسبوك". فبادرت لمكالمته عبر الهاتف مخبرا إياه بأنني عزمت أيضا التوجه إلى الحسيمة في إطار سياحي، ولاسيما وأن الفترة الزمنية كانت تتصادف مع عطلة نهاية الأسبوع. فرحب طارق باقتراحي وتوجهنا عبر مركبته الخاصة، كنت سائقها، بمعية الأستاذ سعيد البوزكراوي والأستاذ خالد بنشريف، إلى مدينة الحسيمة الجوهرة.

كنت أعلم أن طارق السباعي رحمه الله كان يعتزم لقاء ناصر الزفزافي، وربما أنه كان قد تأكد من موافقة ناصر عبر الصحفي حسن الغلبزوري، وكذلك رئيس فرع الهيئة بالحسيمة المرحوم بإذن الله نجيب عبدوني، الذي توفي يوم 10 غشت 2017، قبل عزمه زيارة الحسيمة الجوهرة.

وصلنا إلى الحسيمة يوم 20 ماي 2017 حوالي الساعة السادسة مساء، وكان في استقبالنا الأستاذ حسن الغلبزوري ونجيب عبدوني رحمه الله، ومناضلين آخرين. ثم اتصل الأستاذ حسن الغلبزوري بناصر الزفزافي من أجل توضيب اللقاء ونحن في السيارة متجولين عبر زقاق المدينة، وتكلم معه بالريفية فلم ألتقط من كلامه سوى كلمة "القايد" مما أثار انتباهي. ولما أنهى المكالمة أخبرنا بأن ناصر الزفزافي في صدد الاستعداد لإجراء "لايف مهم"، وبالتالي فهو يؤجل اللقاء لما بعد "اللايف".

كان الزفزافي آنذاك يجري "لايفات" يوميا، وكانت مواضيعها معروفة تتعلق بالمال العام، فلم أستسغ أن يترك رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام القادم من مدينة سلا -قاطعا 600 كلم- ينتظر، بعد يوم متعب في سفر شاق طويل. فقلت بكل عفوية: "هذا ليس صوابا من طرف شاب جاء لزيارته رجل في سن أبيه له رصيد وتاريخ وباع طويل في حماية المال العام ورفض الظلم..".

مكث الجميع في مقهى يطل على ساحة الحسيمة الشهيرة إلى غاية العاشرة ليلا، ثم جاء الخبر بأن ناصر الزفزافي ربما سيأتي لملاقاة طارق السباعي صباح اليوم الموالي. ولكن الأستاذ طارق السباعي كان قد اتخذ موقفا حاسما، فأجاب المبعوث بأن لم يعد لديه وقت لذلك.

ودعت رفاقي وتوجهت إلى فندق، في حين توجهوا للإقامة في ضيافة نجيب عبدوني رحمه الله، وضربنا لنا موعدا لتناول قهوة الصباح في المقهى نفسه.

لم يراودني النوم سريعا. فلقد كان الأمر عجيبا كما كانت المفارقة غريبة: مناضل يريد التغيير يهين طارق بابه على شاكلة بعض المسؤولين في عهد اعتبرناه بائدا... وتذكرت لما كنت أحضر يوميا إلى مصالح وزارة الداخلية منتظرا لسنين طوال أن يتفضل مسؤول ما بالسماح لي بدخول مكتبه بدون جدوى... فهل كنا بصدد نفس العقلية التي أردناها بائدة، نفس التصرف، ولكن هذه المرة من طرف قائد حراك الريف المغربي، نظرا لما لاقاه الأستاذ طارق السباعي من معاملة...؟ واستمرت تأملاتي إلى أن استنتجت أن مشكلة الريف المغربي تتعلق أساسا، وبصفة عامة، بقضية تواصل حضاري مفتقد.

وفي صباح يوم 21 ماي 2017، التقيت مجددا مع الإخوة في المقهى لتناول وجبة الفطور قبل العودة إلى سلا.

لو تم اللقاء مع ناصر الزفزافي لنجحنا ربما في تلطيف الأجواء، فلقد كانت مبادرة طارق السباعي مبادرة خير حرة، وكنت من جهتي أود أن أستغل الفرصة لأناقش ناصر الزفزافي، بصفتي مواطنا عاديا قصد مدينة الحسيمة من أجل السياحة فقط، في مسألتين(...). كنت متأكدا من قدرتي على إقناعه لتفادي بعض الأخطاء اعتمادا على المنطق والحكمة، وسعيا للمصلحة العامة والسلم والسلام بلا تصعيد ولا تعقيد ولا عقد. شيء مؤلم حقيقة، ولكن الحمد لله على كل حال، فنحن نريد والله فعال لما يريد؛ ونعم بالله.

بعد ذلك تسارعت الأحداث وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن، إلى أن ألقي القبض على نشطاء حراك الريف المغربي، وكان ما كان، وأصدرت المحاكم أحكامها...

2- الحل في صناعة مبادرة من أجل عفو ملكي

لا يهم الآن سرد تطورات أزمة الريف المغربي بكل موضوعية، مع تحليل منطقي علمي عادل على مدى صفحات عريضة طويلة كثيرة، و باسترسال دون توقف مادام كل شيء جاهز واضح في ذهن كل متتبع منصف، ولكن قد لا يكون ذلك مفيدا لأن المهم هو إنهاء مأساة أسر مغربية تبكي أبناءها الأحياء، وتريد معانقتهم مجددا. فالمراد هو تحقيق هدف نبيل وليس الاستمرار في تمرير فكرة أو أفكار فقط من أجل الفرجة، دون تحقيق هدف جمع شمل أسر وعائلات تعيش ويلات الحسرة والحزن والقلق والغضب.

يجب معالجة قضية الريف المغربي الآن من جانب إنساني وليس من جانب سياسي. الأمر بسيط بالنسبة إلى كل من أراد إيجاد حل واقعي سليم.

فمن جانب نشطاء الحراك، لقد تحققت غايتهم لأنهم

نجحوا في لفت النظر إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالمنطقة، حيث انكبت السلطات على معالجة الوضعية في الريف بشكل شامل.

وأما من الجهة الأمنية، فلقد نجحت السلطات في وضع حد للمظاهرات وفرض قوتها المشروعة.

نعم، إنها قضية ليست معقدة بتاتا. الصورة واضحة، إذ يكفينا أن نعتبر فقط بأن لدينا نشطاء قاموا بدورهم كمواطنين صالحين من جهة، وسلطة صالحة قامت بدورها أيضا من جهة أخرى، لندفن الماضي ولو كان قريبا، لأننا نعيش في عصر الإنترنيت...

لا تقدم دون تضحية. لقد ضحى نشطاء الريف بحريتهم، إلى حد الآن، من أجل إثارة الانتباه إلى ضرورة تنمية منطقة الريف. وها هي السلطات اليوم تنهمك في إعداد وتحضير مخطط تنموي شامل واعد إن شاء الله.

لقد انتصر نشطاء الريف، كما انتصرت السلطات أيضا لما انكبت على معالجة وتلبية مطالب الريف الاجتماعية، لأن ما منطقة الريف سوى منطقة مغربية غالية تستحق الاهتمام كسائر جميع مناطق المغرب.

خلاصة:

سيداتي سادتي، لقد حان الأوان للعمل من أجل رفع طلب عفو شامل لفائدة جميع نشطاء الريف في أقرب الآجال لأن الوطن غفور رحيم، ولأن المغرب في حاجة إلى كل أبنائه، ولأن الوضع الجيواستراتيجي يقتضي ذلك ونظرا لفوران الواقع الإقليمي، ولأننا في حاجة لجمع الشمل، ولأن لا بد من دفن الماضي ولو كان قريبا... قلوب طيبة من الجهتين، ثم عفو شامل شريف مبارك، فمغرب متقدم. المسألة بسيطة.

 

يونس فنيش