أصبح مبدأ البت في قضايا المتقاضين داخل أجل معقول يشكل هاجسا للقضاء والقضاة، المؤسسات والأفراد في ذلك سواء، بحيث إن هذا المبدأ أضحى من مقومات تحقيق العدل الذي لم يعد رهينا باحترام شروط المحاكمة العادلة (الجنائية والمدنية) فقط، وإنما يجب أيضا تحقيق هذه العدالة داخل أجل معقول، وقد أكد هذا المعطى دستور 2011 في فصله 120 الذي نص في فقرته الأولى بشكل تقابلي على أن "لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول"، وفي الواقع فإن الدستور لم يعمل إلا على تتويج الفكرة التي كانت حاضرة في النقاشات العامة وفي السياسة الإدارية بشكل أو بآخر وفي أذهان القضاة كذلك.

وبالرغم من الإكراهات المادية والقانونية التي تعترض تنفيذ الفكرة بشكل سليم في الواقع العملي بالنظر لقلة الموارد البشرية (عدد القضاة حوالي 4000 قاض وقاضية لحوالي 35 مليون نسمة) والمادية (ظروف الاشتغال بالمحاكم والبنايات والوسائل وغيرها) والإكراه القانوني المتمثل في وجود قوانين لم يعد العديد منها مواكبا لتطور المعيشة التي يعيش على إيقاعها المواطن، بالرغم من كل هذا، فإن القضاة يبذلون جهدا كبيرا للبت في القضايا وإنتاج الأحكام داخل أجل معقول (باعتبار الظروف المشار إليها) مقارنة مع المعدل العالمي في الإنتاج الفردي.

وإذا كان هذا هو الواقع القضائي، فإن نفس القاعدة والمبدأ (البت في أجل معقول) الذي يطوق أعناق القضاة ويعملون جاهدين لتحقيقه، لا يقابل بالتعامل معهم فيما يخص الاستجابة لمطالبهم الاقتصادية والاجتماعية والمهنية بنفس الطريقة من طرف الجهات الإدارية المختصة، بحيث وبعد انتظارهم لوقت طويل، مما تضطر معه مؤسساتهم التمثيلية (المؤسساتية والجمعوية) إلى تقديم مطالب والقيام بأشكال تحسيسية في سبيل ذلك، فإنه لا يتم التفاعل بالاستجابة المعقولة لمطالبهم، وهذه 

مند إقرار دستور 2011 وبداية النقاش حول تنزيل مبادئ الدستور في القوانين التنظيمية المتعلقة بالسطلة القضائية لم يتم التفاعل كثيرا مع ما كان ينادي به القضاة، ومن ذلك الاستقلال المالي الكامل للسلطة القضائية الذي أعتقد أنه سبب العديد من الإشكالات التي نعيشها اليوم، فضلا عن التأخر الذي حصل في تنزيل استقلال السلطة القضائية على أرض الواقع (حوالي ست أو سبع سنوات 2016-2017).

القوانين اللازمة للوضع القضائي الجديد وإشكال المقاربة التشاركية فيها (مثلا قانون التنظيم القضائي وقانون المفتشية العامة للشؤون القضائية التي تعمل حاليا دون أي إطار قانوني، مما يترتب عنه العديد من الآثار القانونية السلبية في مسار استقلالية القضاء ونجاعته وتأطيره وشفافيته وتخليقه...).

وهنا لا بد من الإشارة، للتدليل على عملية البطء، إلى أن المرسوم الذي ينظم عملية ترقية القضاة في الدرجات والرتب، والذي يحيل عليه القانون الأساسي للقضاة، لم يخرج إلى حير الوجود بعد، وهو ما نتجت عنه آثار سلبية عدة على مستوى تدبير الوضعية الفردية للقضاة بخصوص الترقية التي تعد حقا لهم ومن مظاهر الضمانات الممنوحة لاستقلال القضاء حسب المادة 26 وما بعدها من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة. والغريب أننا ما زلنا نشتغل بمرسوم يعود تاريخه إلى 23-12-1975، ولنا أن نتصور التغييرات الحاصلة منذ ذلك التاريخ إلى الآن، مع أن عملية تغييره لا تتطلب أمورا كبيرة.

علاقة بموضوع البطء، نشير إلى أن القوانين التنظيمية للسلطة القضائية قد صدرت بتاريخ 15-03-2016 بعد مصادقة المجلس الدستوري عليها، وشرع في تطبيقها بتاريخ 06-04-2017 بعد تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وقد نصت على حق القضاة في التعويض عن بعض المهام الإضافية، إما لأنها غير قضائية (مهام إدارية مثلا للمسؤولين القضائيين ونوابهم ورؤساء الأقسام والمراكز وغيرهم)، أو يقومون بها خارج أوقات العمل الرسمي (الديمومة التي تتم في أيام العطل والأعياد ونهاية الأسبوع...)، أو بسبب الانتداب القضائي والعمل المساعد بمحكمة النقض (المادة 26 وما بعدها والمادة 75 من النظام الأساسي للقضاة).

وإلى حد الآن ورغم مرور أزيد من ثلاث سنوات على صدور القوانين التنظيمية، لم يتم اخراج المراسيم المحددة لهذه التعويضات رغم أن العمل الإداري والديمومة والمهام الإضافية والانتدابات جارية بالمحاكم دون أي مقابل كما كانت منذ الاستقلال إلى الآن، مع أنه وضع شاذ مقارنة حتى بما هو جار به العمل في باقي الإدارات الأخرى.

وقد قدم نادي قضاة المغرب عدة مطالب في هذا الاتجاه إلى جانب فاعلين آخرين ينتمون للمؤسسات القضائية، وقام بعدة مبادرات تحسيسية في سبيل المطالبة بالاستجابة السريعة لمطالب القضاة المشروعة، من ذلك مثلا اللقاء العام للقضاة الذي نظمه النادي يوم 29-06-2019 بالمعهد العالي للقضاء وحضره المئات، والذي مر وانتهى بشكل حضاري يعبر عن وعي كبير للقضاة بوظيفتهم القضائية ومنصبهم اللذين يفرضان عليهم أدبيا قبل كل شيء التريث في التعاطي مع المطالب التي يقدمونها، حيث تم في اللقاء العام نفسه تقديم وثيقة ضُمنت الخطوط العريضة العامة لمطالب القضاة في الشقين الاقتصادي والاجتماعي، إلا أنه رغم مرور ستة أشهر، بالإضافة إلى السنوات السابقة على الوثيقة، لم يتم الانفتاح على هذه المطالب، وبالتالي لم يبق للقضاة إلا البحث عن طريق جديدة للدفاع عن مطالبهم المشروعة التي للتذكير لا تتعدى إخراج المراسيم التي تحيل عليها القوانين التنظيمية، وتحسين ظروف الاشتغال بالمحاكم، وبعض التحفيزات الاجتماعية المنصوص عليها في الوثيقة ذاتها.

 

عبد اللطليف الشنتوف