لا نسمي الحياة حياة إلا بسريان الروح في البدن والوجدان، وإدراك الوجود بالعقل والحس والإحساس والقلب. فالحياة، بهذا المعنى، حس وإحساس وإدراك، وانتقال بالجوانية العميقة إلى البرانية الظاهرة في تواؤم واندغام حتى لا فصل إطلاقا، ولا طلاق بتاتا بما يقتضي تنفس الكينونة، والاندماج بالعناصر الأربعة، والأبعاد والأعماق، وولوج الزمان في برهة لا تحتسب بمعيار التوقيت البيولوجي ولا الفيزيائي. إذ الحياة وجود كلي مغلق ومفتوح، مُلَوْلَب ومشبوح. وجود ملموم في كليته، وجوامع صفاته، وأخص خصيصاته. وجود ينبض بالعواطف والمشاعر والمدارك والاختلاط والاندماج.

فإذا العقل قارئا مستقرئا، ومستقصيا لما فات وما يعاش، وما يأتي، أي ناظما، بفذاذةٍ التركيبة الإنسية والخلق الآدمي، للماضي والحاضر والمستقبل ضمن خيط الروح. خيط يسري ويتغلغل عميقا ودفينا في الركن الركين من التوق إلى الاكتمال لا الكمال. ويترتب على ذلك، التساند مع الأقران والأنداد، والأغيار، والموجودات الأخرى. يترتب عليه، عشق ما يسري وما يمور، وما يدور، وما تراه الروح توأما ـ أو في الأقل ـ قسيما ضروريا، وحاجة مبدئية مطلقة لا معدى عنها، ولا مهرب منها، ولا سبيل لاحِبا إلى اتقائها وتفاديها. وفي هذا ما يفسر كهربة الجسم بما هو مادة، عند الرؤية البرقية، أو الرؤية المستبصرة للجمال حيثما كان، وعلى أي هيئة وجد وتمظهر، وارتسم صاعقا جاذبا مستدرجا ومدحرجا إلى المهوى العميق، والبحر اللجيِّ السحيق.

وإذا كان العدم يحيط بالكائن الحي، ويترصده عند المنعطف، والخراب والحطام، والانهيارات التي تطول الكون والكائن في وجوده وعيشه وقيمه ورهاناته، تحضر ماثلة بكل الرعب الذي تحمله، والبشاعة التي تنشرها، والسواد الموجع الأليم الذي يلف بقايا الأمل، ويواري شعاع الفرح والمرح، فإن العشق نار تتلظى، نور وشواظ يحرق شيطان الشر أينما كان، وحيثما قبع. ومن ثم، فالعشق شعلة تنشب في النفوس الخيرة، والأرواح السامية التي أدركت بنبضها العرفاني الغميس، جوهرها، وأعلت ـ في ضوئه ـ وجهها البراني، وسَمْتَها الخارجي، أي: مظهرها، وحالها وبدنها المنذور للفناء.

يبدأ العشق من نفس العاشق لَهباً إلهياً، وشعاعا أولمبيا يحرق، بلا شفقة، نتوءات الغدر الهامدة، وطحالب الشر والخديعة اللامرئية، والأغراس السامة التي زرعتها أيادٍ آثمة. يحرق، أولا، ما يمكن أن تنطوي عليه النفس الحاملة للهب العشق، إذ النفس أمارة بالسوء كما يخبرنا الذكر الحكيم، ويِؤكده علم النفس الحديث. فالخراب كامن في الداخل قبل أن ينتشر في التضاريس، والمنحنيات، والوهاد، مالئا وجه الحياة بالبثور المتقيحة، والدمامل المقززة، والقذى المُعْشي. ما يعني أن الإنسان، مطلق إنسان، إذا خلا من العشق، صار وَبالاً على نفسه بدايةً، وعلى الأغيار بالترتيب الرياضي والمنطقي.

وليس من شك في أن العشق يُجَمِّلُ الحياة، ويُرَغِّبُ فيها، ويزين إقامة الكائن الآدمي على الأرض لأنه يمنحه الأبدية "الموهومة"، كما يُشْعِرُهُ بِقَدْرِه، وعلو شخصه، وأهميته، وضرورته في أن يكون. ما يعني أن العشق الداخلي للنفس وهو يُصَفِّي حسابها مع بذرات الشر المُتْلِعة، ويزكيها، ويطهرها من أدران الأنانية، والأنا المتضخم المتورم، ينتقل ـ بداهةً ـ إلى الغير فيحيطه بنوره وشعاعه، ويلفه في قماط من البياض الناصع، والخضرة الزاهية، والزرقة اللازوردية الصافية، وسيان أن يكون العشق مُنْصَبّاً على، ومُصَوَّبا إلى امرأة، أو وردة، أو مسقط رأس، أو مشهد طبيعي فادح الجمال، أو أوقيانوس نيلي تسكنه حوريات الفتنة وربات الحسن والبهاء. ففي الأحوال جميعها، يرفع العشق النفس العاشقة، ويبوئ النفس المعشوقة عرش الجمال، أي يخلع عليها من توقه، ورغائبه، ومخياه، السمو والعلو والسموق، و"الألوهية البشرية".

وتأسيسا عليه، يسهم العشق في محو الشر والحقد والكراهية والفكر الاجتثاتي، أو ـ في الأقل ـ يؤجله إلى حين ما لم يبعده كليا من الحصول والتحقق.

ولا أضيف شيئا إنْ أنا نبهت إلى أن العشق الآدمي للآدميين والحياة طُرّاً، لا يتأتى، ولا يصيب نفسا معينة ما لم يشحذ الكائن الإنساني حياته شحذاً يتحقق به ما يبتغيه من عشق، ويرومه من حب وَوَلَهٍ وغرام بالآخر. أما الشحذ المقصود فهو تربية النفس على حب الجمال، وكراهة الشر والقبح والبشاعات المُقَنَّعَة، والقاذورات، والخراب. أما كيف نشحذها، وبِمَ نشحذها؟، فلا مناص من قراءة الشعر لدى كل الأمم والشعوب، وقراءة القصص والروايات، ومشاهدة الأفلام السينمائية، والعروض المسرحية الدرامية والفكاهية، والغنائية، وزيارة معارض الفن التشكيلي لتعمير العين بالألوان والأطياف، والأضواء والظلال، والإنصات العميق الهادئ إلى الفن الراقي.. إلى الأغاني العذبة الرفيعة.. إلى الموسيقى الهائلة، والسمفونيات الخالدة.

ففي الشعر، كما في الفنون المذكورة، ما يقدح شرار العشق، ويلهبه، ويذكيه، فإذا هو نور يصيب الظلام في مقتل، مزيحا أستار القبح، ومقتلعا أزهار الشر. ولنا في آداب الأمم منذ الأشوريين، والبابليين، والفراعنة، واليونانيين، والرومان والعرب، ما يبهر، ويعلينا ويسمو بنا عاشقين سادرين في بحار الحب والجمال، دابِّين عن حياضنا ما يتهددها من خراب كامن، ومن شر مستطير يوجد في المنعطف، يتحين الانقضاض لإطفاء لهب العشق، ونور المعرفة، ولظى الحب.

وإذن، لِنَفْتحْ كتاب الحب عريضا، لِنَقْرأْ الأشعار الرعوية البابلية والأشورية، وأشعار العرامسة الفرعونيين في الحب والعشق، وأشعار "صافو" اليونانية، و"بندار"، "وفرجيل"، و"أوفيد" الرومانيين، و"دانتي"، و"بترارك" الإيطاليين، وأشعار العرب الجاهليين، والحب العذري عند جميل وقيس، وكُثَيّر، والطّرْماح، والعُرْجي.. وغيرهم. ولنُنْصِتْ إلى سمفونية الكون ماضياً وحاضراً وآتياً، تأتينا عبر أنامل ضوئية لفنانين وفنانات عالميين، وعبر أصواتهم، وعبر سمفونيات خالدة لا تفتأ تتجدد عند كل إنصات فتملؤنا بالعشق والصبابة، والفرح، والإقبال على الحب والسلام والسكينة والحياة. ولْنَغُصْ ـ كما غاص أنبادوقليس في لهيب بركان إتنا الرائع ـ في لوحة الطبيعة العظيمة الساحرة، وقماشات ولوحات عباقرة التشكيل والرسم منذ رسامي الكهوف والمغارات البدائية إلى آخر لوحة ترسمها أنامل نبوئية تستمد إلهامها من نور الإله، ونور الطبيعة، ونور النفس العاشقة للجمال.

هكذا يتوجب أن نبني عشقنا، ونتعهده، ونسير به إلى المرام بعد أن نوجهه إلى المُثُل الإنسانية العليا، والقيم الجمالية الخالدة، كالحب والحرية والجمال والصداقة.

إن التربية الجمالية هي ما يعيد للإنسان توازنه، وانسجامه، وحيويته، وسموه، و"ألوهيته "، كما قال الشاعر الألماني الشاهق: هولدرلينْ في إحدى قصائده المتأخرة: "إن الروح الإلهي لا يستطيع أن يؤمن به إلا الإلهيون".

 

محمد بودويك