الإسلام السياسي لم يكن في يوم من الأيام، ومنذ نشأته، بعيداً عن إرادات مراكز القرار الأمنية والسياسية في الغرب الرأسمالي، ولم يكن بعيداً عن مصالحه السياسية وتوجهاته. انخرط منذ بدء نشأته مع الاستخبارات البريطانية والفرنسية والألمانية، وبعد الخمسينات من القرن الفائت عقدت الجماعات الإسلامية قرانها المقدس مع الإستخبارات الأميركية لمواجهة النفوذ الشيوعي والمدّ الديمقراطي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. ولم يتردد الأميركان في تقديم كل العون اللوجستي والإعلامي لها في كل الأوقات. توّجت هذه العلاقة وبلغت ذروتها في الثمانينات حين شبّه الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان لدى استقباله في البيت الأبيض قادة الجماعات الإسلامية المسلحة في أفغانستان، بالآباء المؤسسين لأميركا. الوثائق التي تؤكد على هذه العلاقة الوطيدة، المعلنة وغير المعلنة، تكاد تملأ المحيط الأطلسي بها.

ما يهمنا هو الإشارة إلى أنه بعد تفكك المنظومة السوفيتية (المنظومة الإشتراكية سابقاً) وانهيارها، نشأ وضع يتسم بتقاسم جديد للنفوذ بين الأميركان وأوروبا الغربية، أخذت خلاله معظم دول أوروبا الشرقية بالتحول التدريجي السلس إلى النظم الديمقراطية الحرّة، باستثناء رومانيا ويوغسلافيا، اللتين تعرضتا لأزمات ومحن عارضة تخلصت منها في نهاية المطاف. وهذا التحول ما كان ممكنا إلا بدعم الدول الغربية وحلف ناتو ورعايتهما. إذ حاولا احتواء تلك الدول ودمجها ضمن منظومتها السياسية والأمنية، للحدّ من النفوذ الروسي الآخذ بالانكماش والتردّي حتى وقته.

أما الدول الشرق أوسطية، ومجموع الدول الإسلامية، التي كان يحكمها نظم قومية أو إشتراكية مستبدة وفاسدة، تابعة لهذا الحلف أوذاك، فلم تكن في نيّة الولايات المتحدة وأوروبا الغربية القبول بتحول ديمقراطي على غرار دول أوروبا الشرقية، بل كانت تتوجس من هذا التحول، الذي كان من شأنه أن يضع هذه الدول على عتبة الإستقلال التام من تبعيتها. كان التحوّل الديمقراطي لهذه الدول والمجتمعات على الضد من المصالح والرغبات الأميركية والأوروبية الغربية. بعد هذا التاريخ أخذت الدوائر والمؤسسات الأيديولوجية والجامعات على عاتقها التبشير بنمط جديد من الإسلام الأيديولوجي "المعتدل" الذي يتوافق من منظور المصالح السياسية لأميركا والغرب في المنطقة، مع ما تهدف إليه من استمرار هيمنها وتكريس تبعية هذه النظم والمجتمعات لها. وقدمت في هذا السياق النموذج الأردوغاني في تركيا وروّجت له كترسيمة (برادايم) للنظم السياسية الإسلامية المعتدلة، ودليلاً حيّاً على نجاحها الاقتصادي والاجتماعي. وبشّر بهذا النموذج السياسي في معظم الدول الإسلامية دون الحاجة إلى أية تحوّل ديمقراطي حقيقي على المنوال الأوروبي الغربي. بحيث يتوائم مع ثقافة هذه المجتمعات وقيمها الروحية دون أن يقوّض خصوصيتها.

بدا مفهوم الإسلام المعتدل متخماً بالمطالب الأيديولوجية والسياسية، العملية والبراغماتية، التي تستهدف توافقاً من نوعٍ ما بين المطالب الراديكالية المطلقة للإسلام وثبات مرجعيته المقدسة (النص) وتعاليها، وبين المطالب السياسية العملية والمباشرة. فالإسلام المعتدل، من وجهة النظر هذه، هو إسلام متغير ومعدّل- ويكاد أن يكون محوّراً- يستجيب لمنطق العصر. يريده الغرب، بخاصة الغرب الرأسمالي، ويريده المسلمون أنفسهم بزعم أصحاب هذا الشعار. ولم يتغافل عدد كبير من المنظرين له والمروّجين لهذا النمط من الإسلام عن حقيقة إنه كان مطلوبٌ أميركياً أيضاً ويتعين عليه أن يتسق مع الوجهات السياسية والأيديولوجية الأميركية ومراميها. إنه إسلام يتعايش مع الحداثة، يعترف بالآخر المختلف دينياً ويتواءم معه، ويُراد به أن يكون إسلاماً وديعاً ولطيفاً وحتى رومانسياً إن اقتضى الأمر، متحرراً من حالة الاحتقان الأيديولوجي ومتطهراً من وباء الكراهية ورفض الآخر. أن تكون مسلماً معتدلاً، كما عبر أحدهم، يعني أن تكون جيداً، مطيعاً ومرناً إلى أقصى حدّ في نظر المجتمع الغربي. وتصل الدعوة بالبعض إلى مديات بعيدة في المطالبة بنوع من الإسلام التاريخي، المؤسَّس على قراءة وفهم جديدين بالدين ودوره، يستجيب لمنطق الواقع ومطالبه، حتى لو اقتضى الأمر انزياحاً معرفياً ومعتقدياً عن الموروث المقدس. أي إنتاج خطاب ديني معاصر يتجه إلى المستقبل ويعوّل على الحاضر حتى ولو عارض المطلقات المقدسة والعقائد في النص المقدس. وتصل الحماسة ببعضهم إلى حدّ المطالبة بتخلص المسلمين من نصف القرآن إذا أرادوا التوافق مع العالم والانسجام مع منطق المدنية.

تلقت فكرة الإسلام المعتدل رواجاً واسعاً على المستويين السياسي والإعلامي، وقد راهنت إدارة بوش الأب على هذا التيار بمثابته حصان طروادة في هذه المرحلة لاختراق العالم الإسلامي إلى حين، مثلما راهنت الحكومات السابقة على نقيضه المتشدد في حقبة الثمانينات لمواجهة المدّ الشيوعي، بخاصة في أفغانستان. وبموازاة هذا الأمر أكدت عدد من مراكز الأبحاث الأميركية والغربية على أن الأخوان المسلمين يعدّون النموذج الأمثل للتيار الإسلامي المعتدل في الوقت الراهن. وكانوا يشيرون عادة إلى النجاح الذي حققه هؤلاء في عدد من البلدان الإسلامية (الانتصار السياسي والتشريعي الذي حققوه في تركيا في البدايات) وكان برأيهم إن مثل هذا النجاح يعدّ مصدّاً قوياً بمواجهة النمو المتصاعد للتيارات المتشددة بصفة عامة. لكن السؤال الذي شكّل محكّ اختبارٍ لمثل هذا الادعاء كان هو، هل شكّل الإسلام المعتدل، ضمانة دائمة وحقيقية، ليست عارضة أو زائفة، ضد التطرف، وبخاصة في سوريا والعراق ومصر أخيراً؟ ألم تخرج جميع الجماعات الجهادية اليوم من عباءة الإخوان الأيديولوجية والتنظيمية؟ ألا تمثل، دون مواربة، وجهها الحقيقي، وتجليها السياسي الأقصى؟ ألا تعدّ امتداداً سياسياً وعقائدياً واجتماعياً لها؟ وهل يمكن عزل التطرف الإسلامي الذي نشهده في كلّ مكان عن رحمه الأيديولوجي الأصلي؟ ثم هل يمكن التنكر لدور الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة في تشجيع مثل هذه الحركات السياسية والأيديولوجية وتنميتها في المنطقة؟ وهل يمكن الركون إلى قناعة تتنكر لوجود أيّة علاقة لوجستية خفية، وفي غاية السرية، بينها وبين الدوائر الأمنية، أو عدد منها، في أوروبا وأميركا، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ أخيراً هل أثبت إسلام "العدالة والتنمية" في تركيا سوى التواطئ من جهة أولى مع الجماعات الدينية الأشد تطرفاً، ومن جهة ثانية الانخراط مع المشاريع القومية التوسعية الأكثر عنصرية لدى العثمانيين الجدد على حساب التنوع الثقافي والتعايش المشترك في المنطقة؟ مثل هذه الأسئلة وغيرها تضع المزاعم الغربية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ومواجهة التطرف عارية على المحك؟

د. سربست نبي