نستطيع أن نلاحظ أن الكثير من الخلاف الفكري، المشوب ببعض العنف اللفظي أحيانا كثيرة، والذي يرافق جل النقاشات الفكرية والسياسية عموما، مرده أساسا، وفي جزء كبير منه، إلى ما يمكن تسميته جدل الثابت والمتحول؛ ذلك أن لكل نظر ثقافي ثوابته، كما له متغيراته، التي يصدر عنها، ويقرأ بها ومن خلالها الأفكار والوقائع، ومع التقدم في الكلام واحتدام النقاش يتم الإعراب عن هذه الثوابث والمتغيرات إن تصريحا أو تلميحا، بمختلف تلاوينها وتنويعاتها، الدينية والتاريخية والسياسية.

وضمن ثنائية الثابت والمتحول هاته يسكن الكثير من الجدل الثقافي والترافع الفكري والسياسي، ومن شأن المثقف الجاد واللبق أن يستوعب ويتفهم منطق اشتغال هذه الثنائية بالنسبة لمن يخالفه أو يوافقه الرأي، بما يضمن إنجاز نقاش رصين، بعيدا عن لغة الإقصاء والإقصاء المضاد، الذي لا يعني في النهاية إلا إذكاء صراعات صغيرة عبر بلاغة العنف اللفظي، الذي يرتد أحيانا إلى مستويات مؤسفة، لا تشرف أهل الفكر والنظر، كما أهل السياسة الجادة والعالمة.

إن لكل عقل ثوابته، كما له متغيراته، كانت ما كانت. كما لكل عقل منطقه في تصريف وقراءة هذه الثوابت والمتغيرات. وكم سيكون مفيدا لو قمنا بين الحين والآخر بإعادة طرح السؤال الصعب: ما الثابت وما المتغير بالنسبة إلينا، اليوم؟، بما يفيدنا في إعادة صياغة الأطاريح الفكرية والثقافية، باللياقة المطلوبة والهدوء اللازم، بعيدا عن منطق النزالات الحربية، والتصنيفات المتسرعة، التي لا تضيف شيئا عدا المزيد من التباعد والصدود بين الأفراد والفرقاء.

إن جدل الثابت والمتغير خلفية ثقافية ملازمة لكل نظر أو تأويل، وقاعدة خلفية تثوي خلف جل السجالات والمواقف، المعبر عنها، شفويا أم كتابة؛ ما يعني أن مسألة الثابت والمتغير تعد من أبرز الإشكالات المعقدة، والتي تنتظر باستمرار أجوبة جديدة، وتقتضي، من الجميع، مواكبة فكرية جادة ورصينة، بما يساهم في تقدم النقاش الثقافي، ثم السياسي، في بلادنا.

ما الثابت وما المتغير في الدين، في التأويل، في النصوص، وفي قراءة النصوص، في العقل والتعقل، في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، في نظام الأسرة، في العلاقة بين الجنسين، في مبدأ الحرية، وفي الحريات الفردية؟. إن كل النقاشات التي تثيرها هذه القضايا ومثيلاتها مردها في الجملة إلى هذا الجدل، وإلى هذا التقابل بين الثابت والمتغير، بالنسبة للأفراد وكذا الجهات، فلا بد من توفير الحد المعقول من التفهم والتفاهم، ولا بد من التريث كثيرا قبل تحرير الردود، والانطلاق في إصدار الأحكام، ومصادرة النيات والقراءات، ما دام الأصل أن الجميع يريد الصواب، ويبتغي مصلحة البلد، بطريقته وأسلوبه، ووجهة نظره التي تخصه.

 

ابراهيم أقنسوس