العالم يتشكل من حلقات مزعجة من المفاهيم والقوانين والأصوات، ومن الاستبداد والرعب والتفاهة، وحتى يتم شرعنة ذلك، وضعت قوانين ونظريات وأسس مجتمعية ليس لتنظيمها بل لتبريرها.

فعندما يقرر جيل دولوز وضح حد خاص لعلاقته بهذا العالم، ويلقى بنفسه من النافذة، وعندما يفضل ستيفان تسفايغ، وارنست هيمنجواي، وديل كارنجي، والكثير غيرهم من الكتاب والمبدعين والادباء، الانتحار منهيين مأساة الاندماج في عالم متصنع حد القرف. وعندما تصير النشرات الإخبارية متخمة عن آخرها بأخبار أبطال الوقت الوهميين والتافهين، عندما يحدث هذا كله، فهذا يعنى أن العالم غارق في البلاهة والتفاهة، وأنه ما ينفك يلهث وراء المبحوث عنه لهزم قلق أسئلته الشقية التي تعصف به وتقوده كرها نحو أحلك النهايات.

يقول الرائع "نيكوس كازانيتزاكيس" في روايته "الحديقة الصخرية"، أننا نجيء من هاوية مظلمة وننتهي الى هاوية مظلمة، ونسمي الفاصل المضيء: الحياة. حالما نولد تبدأ العودة، يبدأ حالا الانطلاق والعودة، ونموت في كل لحظة.

المزعج في الحياة أنها تقيم التفاهة، لأن التفاهة قيمتها المالية عالية، والتفاهة يصنعها الإعلام ويشكلها في قوالب قد تتحول إلى مسلمات في الثقافة الاستهلاكية المجتمعية، يساعدها في ذلك منظومة التعليم المعلب في قوالب لصناعة الخضوع، التفاهة المقيمة في النظريات الليبرالية والنيوليبرالية هي التي تسير نمط العيش والاستهلاك وتأسس لمجتمعات آلية، تفقد القدرة على التعبير عن الرأي الحر، على المبادرة والعطاء، بحيث يصبح الإنسان في ظل هذه الطفرة المنحطة، مستقبلا ومستهلكا لما تعده وتأسسه الشركات الكبرى، ففي الأنظمة الحديثة لم تعد القيم والأخلاق والمبادئ والحرية تشكلان الشخصية الإنسانية فقد استعيض عنها بالقيم المادية التجارية والتبادلية، وبالمقابل فإن الإنسان ساهم وبشكل كبير في توطين التفاهة، وحتى نكون موضوعيين أكثر فقابليته للتعليب والقولبة هي التي أسهمت في تفككه الجزئي إلى اللاشئ، ولا داعي لأن نلقى اللوم – كما نفعل دائماً- على وسائل التواصل ونحملها وزر ما وصلنا إليه من تفاهة وبؤس معرفي، فهي وحتى في أسوأ الفروض ليست أكثر من تجلى

محض لهذا البؤس الكامن فينا من الأساس. لم تفعل شيئاً هذه المواقع لنلقى اللوم عليها كلياً، بالرغم من تحملها مسئولية لا بأس بها، باعتبار روادها المشهورين لهم نصيب من المداخيل أو حظ وافر من أن تتحول صفحاتهم إلى مساحات إعلانية، فالتكنولوجيا تستجيب عندما يكون الإنسان تافهاً، فهي انعكاس لواقع هذا الحال المزري، ومؤشر شديد الدقة لدرجة الانحطاط التي بلغتها البشرية.

إننا سائرون رغما عنا نحو مجتمع غارق في التفاهة والرداءة، ويحزن أن تصير النجومية والشهرة والمال من نصيب الأكثر تفاهة وعبطا، ما دفع بالكثير للبحث عن الحضور والظهور في الواقع وفي الرقمي؛ فما يهم عدد (اللايكات) ويقاس النجاح بعدد المشاهدات والتعليقات التي باتت أكثر تفاهة من التافه نفسه، نحن نعيش زمن الصورة أملاً في حصاد الشهرة، والخروج من سجل المجهولين إلى صعود سماء النجومية... لا يهم بأي طريقة، فالغاية تبرر الوسيلة، حتى لو كانت بعرض المفاتن بطريقة فاضحة، أو العبث بالحياة الخاصة، أو انتهاكاً للمحاذير، أو تسفيها للمنجز، أو تشويهاً للنجاح، أو تطاولاً على القامات، أو تقزيماً للكبار.

المهم أن يصير نجما في زمن الرداءة، فيما كبار المفكرين وصناع الحضارة في طي النسيان.. خذلهم الكل.. فأدموا الوحدة.

ليس مطلوباً أن تحوز شهادات عليا من أعرق الجامعات، أو تكون صاحب موهبة أو متميزاً في مجالك، فالتافهون الذين سيطروا على وسائل التواصل الاجتماعي أصبحوا نماذج عالمية، يجنون وافر الأموال كلما ازدادت تفاهتهم.. ولا عجب أن يشهد العالم ترويجاً لا نظير له للسلبية والسلبيات، وجهوداً تبدل لإعاقة الفكر البشري، حتى صار الشأن العام تقنية إرادة لا منظومة قيم... أقلبت القواعد والمثل إلى معايير من الابتدال والتسطيح، وصارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لحماية مصالح البعض، وصار السياسي مهرجاً يعمل لصالح زمرته.. صارت التفاهة نظاماً كاملاً، فبات المعلم ملقناً بعد أن كان مربياً، وصارت القدوة والنموذج مثالاً للمهانة والسخرية.

المهزلة باتت السبيل لمراجعة عالم غياب العقل، وسيولة المعنى، حيث صار البشر قطيعاً تتلاشي فيه الفواصل، يمارس عليه نوع من الاستبداد الرقمي، وما يقوم به منتجو التفاهة والتسفيه، هو إنتاج ملهيات للهروب من الواقع عبر بوابات الترفيه والتسطيح والابتذال.. هناك مراهنة دائماً على تسويق الخيال، والترويج لعالم افتراضي لا علاقة له بالعالم المعاش.. إنه فن صناعة الوهم، وتفريغ شحنات الغضب الشعبي، وإظهار البطولة الزائفة.. الاعلام الرسمي ساهم كذلك بالقدر المستطاع في مسايرة استراتيجية تغييب الوعي المفقود أصلا، وأسس لذلك عبر عرض مسلسلات مدبلجة جد طويلة، بحبكات رديئة، وصياغة سطحية، لتأطير العقول وفصلها عن واقع تعيس يرفض الارتقاء، أصبح خلالها المضمون مفقود، فالتركيز على الصورة قد عوض كل مكونات النص، النساء يتابعون المسلسلات ويتعاطفون مع البطل أو

الكومبارس أو الضحية أو المجرم، حسب درجة الوسامة، يتهافتون للحفلات لرؤية المغنيين ليس لأن كلمات أغانيهم معبرة، أو ألحانهم جذابة، بل فقط للصراخ ورؤية وسامتهم عن قرب، يتركون واقعهم عن إرادة للعيش في عالم من الوهم والخيال، يمجدون هذا المشهور حتى ولو كان مدان، ويدينون آخر حتى ولو كان برئ، الوسامة تلعب دورها والجسد كذلك، إنه زمن الصورة والسذاجة والسخافة. الشباب كذلك لا يختلفون عنهم في شيء، وكلاهما في فلك التدني يسبحان.

الحالة التي نعيشها تشبه تماما شخصيات مسرحية بيكيت " في انتظار غودو"، حيث يترجم أبطال مسرحيته، فلاديمير وستراجون وبوزو ولاكي، كصورة للتفاهة، فهم أشخاص عاديين جدا، يظهرون من العدم، بلا تاريخ سابق، بلا مهنة، بلا خلفية ثقافية معرفية، أيضا، بلا لغة فلسفية أو حتى حوارات عالية، الأكثر إثارة، أنه جعلهم بلا هم محدد معلوم، إنهم حتى لا يثيرون تساؤلا أو سؤالا، لا يدخلون في ورطة أو مشكلة، لا يصنعون ثورة ولا يطالبون بها، بل لا يبحثون عن أي معنى، ليسوا أبطالا ولا مبدعين ولا مطاردين، ولا حتى محبطين.

إننا نعيش عصر التفاهة، من هشاشة الفكر ومن مناقشات بيزنطية وحوارات يغلبها الجهل بالأمور..بات التوافه يحيطون بنا من كل ناحية، يحاصروننا ويخططون لواقعنا ... حالة من التفاهة والركاكة والعبث، حالة يقف ورائها صناع، ومنتجون، ومستثمرون، ومخططون، ومصممون، وداعمون، وأبواق، ورعاة ومستفيدون ومحتفون بها. وقد تنبأ لذلك الفيلسوف الكندي المعاصر " آلان دونو" في كتابه "Mediocratie" أي "التفاهة"، بأن التافهين قيد سيطروا على العالم، من دون اجتياح الباستيل (إشارة الى الثورة الفرنسية) ولا حريق الرايخشتاغ (إشارة الى صعود هتلر في المانيا)، وقال إن التافهين ربحوا الحرب، وسيطروا على عالمنا، وباتوا يحكمونه، وإن القابلية للتعليب حلت محل التفكير العميق، لذلك كنصيحة لا تقرأ الكتب المعقدة، لا تكن فخورا ولا روحانيا، فهذا يظهرك يشكل متكبر، لا تقدم أي فكرة جيدة، فستكون عرضة للنقد، لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، ارخ شفتيك، فكر بميوعة، عليك أن تكون قابلا للتشكل، لقد تغير الزمن، فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة.

فالرأسمالية لا ترتبط بحروب لنهب الثروات العالمية والسيطرة على الشعوب ومركزية السوق والاستهلاك، بل لا يتم كل ذلك الا إذا جعلت الانسان نفسه أحد السلع التافهة، فشرط الرأسمالية المسيسة حسب "الان دونو"، أن تغرق الانسان في وحل التفاهة، وأن تجعله ساعيا إليها بكل حرص ودأب، دون وعي، وبالتالي ليست العقول الكبيرة هي التي تبنيها الرأسمالية بل العقول التي تستطيع مخادعة الاخرين و توظيفهم كرأس المال بالضبط، أي أن الرأسمالية حتى تجد لها منقذا للسيطرة على المجتمعات لا بد من تكريس سلطة التافهين، إن السوق الحقيقي في السياسة هو سوق التفاهات.

حينها يصبح كل شيء قابلا للبيع والشراء بدءا من الدين وجنته ونيرانه ومساجده وكنائسه ومعابده، مرورا بالهويات والمقدسات والقيم والاخلاقيات، نحن في المراحل المتأخرة من بيع كل شيء، لا قيمة هناك لثوابت، وهذا مهم بالنسبة لفهم صورة العالم سياسيا، وكيف انقلب الى هذه الشاكلة.

وبذلك تضمن التفاهة وجود عدة أشياء من بينها فتح أسواق جديدة للتافهين وأصحاب الكفاءات الأقل، كي يتحدوا ويتماسكوا لاجتياح جغرافيا الحياة والعالم.

في هذا العصر، لا حاجة إذن للكتب والمقالات التحليلية العميقة، لا حاجة للشرح والاسهاب، إذ أن المعرفة لم تعد هدفا في الأساس، وإنما المسموح والقشور هي كل ما يريده الجمهور، هي ما يطلبه إنسان هذا العصر بتركيبته الجديدة، إنسان هذا العصر الذي يسعى دون خجل وبكل وقاحة نحو تسطيح كل ما هو عميق وتمييع كل ما هو جاد، السخرية هي أداته الرئيسية المعتمدة لديه لتسويق هذه السفسطة اللعينة، أداة منيعة ومحصنة بإحكام من كل نقد موضوعي قد يصل إليها.

وأنا اخط هذا المقال، أعلم جيدا أن القراء نذر، فالجميع تعودوا على تغريدات تويتر ذات المائة وأربعين حرفا، ومنشورات العالم الأزرق ذات الأسطر القليلة، أولئك الذين يبحثون عن الصور والمقولات الجاهزة، إذ أن العالم برأسماليته ورؤيته التسليعية الجديدة يجبرني على عدم الاطالة، لأنه لن يتبقى أحد ليقرأ، المهارة الوحيدة التي يمكن أن تنجينا هي الكتابة على أمل وجود متلقي مهتم.



محمد إبراهيم الزموري