قال محمد الصبار، المحامي والحقوقي والأمين العام السابق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، إن ما توصل إليه المغرب في إطار العدالة الانتقالية وتجربة الإنصاف والمصالحة كان "حقيقة متوافقا عليها".

وأضاف الصبار، خلال ندوة حول العدالة الانتقالية نظمها المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان، الجمعة، بنادي الصحافة بالرباط أن "المغرب عالج موضوع العدالة الانتقالية مع بعض الوجوه التي كانت مسؤولةً عما وقع في الماضي، وهذا الأمر شكل ربما مرحلة تعقيد".

وتابع قائلاً: "حين نتحدث عن الحقيقة ليست الحقائق المطلقة، بل الحقائق النسبية، وما توصلنا إليه في العدالة الانتقالية وتجربة الإنصاف والمصالحة في المغرب كان حقيقة متوافقا عليها".

ورغم ذلك، أكد الصبار أن المهم هو أن "الانتهاكات التي وقعت في بلادنا أصبحت حقيقة رسمية، في الوقت الذي كانت كذلك فقط في نظر المنظمات الحقوقية والضحايا، وهؤلاء كانت لديهم ذاكرة مزدحمة بالاتهامات، وواجهوا صعوبة في تحرير هذه الذاكرة من هذه الاتهامات".

وأشار الأمين العام السابق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى أن بعض تجارب العدالة الانتقالية الدولية اتفقت على عدم نشر بعض الحقائق لأنها إذا نُشرت ستخلق أزمة سياسية، وأعطى مثالا على ذلك بإسبانيا، التي قال إنها "لم تفتح هذا الموضوع على الإطلاق، على الرغم من الجرائم التي ارتكبها الجنرال فرانكو إبان الحرب الأهلية وما بعدها".

وأوضح الصبار أن إسبانيا "اختارت مقايضة نسيان الماضي بربح الديمقراطية لأن بقايا فرانكو كانوا لا يزالون مستمرين، وبالتالي كان هناك تخوف على البلاد، واليوم فُتح الموضوع في إسبانيا من زاوية الذاكرة فقط، وفي هذا الإطار يأتي نقل جثمان فرانكو وإزالة بعض الأسماء من الشوارع".

وحسب الصبار، فإن التجربة المغربية في العدالة الانتقالية لها خصوصيات عدة، من بينها أن الهيئة التي تولت البحث عن الحقيقة هي التي تكلفت بالبت، وبتقديم التعويضات عكس دول أخرى عرفت لجانا متعددة.

كما أكد أن "حجم التعويضات الفردية التي قُدمت لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب من حيث التكلفة هو الأعلى مقارنة بجميع تجارب العالم"، مشيراً إلى أن جنوب إفريقيا، التي يتحدث عنها العالم كتجربة نموذجية مميزة، قررت تعويض ضحايا فترة "الأبارتايد" بمبلغ 3000 دولار لم يتم تسليمه إلى هؤلاء الضحايا إلى حد الساعة.

ويرى الصبار أن المغرب فشل نسبياً في تسويق تجربته في العدالة الانتقالية، رغم أنها كانت متضمنة قيما مضافة كثيرة. وذكر أن التقرير النهائي لهيئة الإنصاف والمصالحة تضمن تحليلاً للسياقات التاريخية والسياسية للبلاد آنذاك، غير أنه وجد صعوبة بمنطقة الريف بسبب غياب الأرشيف حول أحداث 1957 و1958 ووفاة أغلب الأشخاص الذين عاصروا تلك الحقبة.

كما حدد التقرير، يضيف الصبار، أماكن الاعتقال السرية ومقابر جماعية بالدار البيضاء والناظور، وتم التوصل إلى معرفة أزيد من 764 حالة من مجهولي المصير، وهو رقم، يقول الصبار، لم يكن يتوفر حتى لدى الجمعيات الحقوقية ولا منظمة العفو الدولي ولا الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان.

وخلص الصبار إلى القول بأن كل توصيات تقرير الهيئة فيما يخص الإصلاح الدستوري والتشريعي والمؤسساتي وجدت طريقها إلى الوثيقة الدستورية الجديدة، مشيرا إلى أن مشروع القانون الجنائي حاول ما أمكن أن يُنزل إجراءات المحاكمة العادلة، غير أنه سجل تأخر المؤسسة التشريعية في اعتماده.

كما ثمّن الأمين العام السابق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان مشروع قانون المسطرة الجنائية، وقال إنه أكثر تقدماً ويتضمن عدداً من المقتضيات الهامة، من بينها التسجيل الصوتي والمرئي لاستجواب المشتبه بهم.

وذكر الصبار أن لجان الحقيقة تُقدم وصفةً لمختلف الفرقاء السياسيين وللدولة تتضمن جبر الضرر والتعويض، لكن يبقى الأهم، في نظره، هو "كيف يمكن أن نُحول هذا البلد إلى بورصة لتداول الأفكار والرؤى والتصورات والبدائل والاختيارات، حتى لو كانت شخصية، وندبر الصراع السياسي دون اللجوء إلى القمع أو الأساليب المشابهة".

هل وصلنا إلى هذه المرحلة؟ يتساءل الصبار، قبل أن يُجيب قائلاً: "أظن أنه لا يزال هناك عطب. يمكن أن نقول إننا لم نعد نسمع عن الاختطاف أو الاختطاف القسري منذ 2011، ولم نعد نسمع عن التعذيب الممنهج في المغرب، لكن ما زالت هناك حالات معزولة".

وأكد الصبار في هذا الصدد أن الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب المُحدَثة ضمن المجلس الوطني لحقوق الإنسان موكول لها أن تلعب هذا الدور الأساسي للوقاية من التعذيب، خصوصاً في الأماكن المغلقة مثل مخافر الشرطة والسجون ومستشفيات الأمراض العقلية والنفسية.

وأوضح الصبار أن العطب الذي لا يزال يواجه مسار المغرب يجب أن تتكاثف بخصوصه جهود الجميع، الدولة من جهة، ومن جهة أخرى مجتمع مدني حي وفاعل لا يشتغل في المناسبات فقط، بل يتابع الوضع باستمرار، يقول الصبار، الذي دعا إلى اللجوء إلى القضاء الإداري لاستصدار قرارات ضد التجاوز والشطط في استعمال السلطة، مؤكداً أن هذا القضاء أثبت استقلاليته وأبطل قرارات لوزراء ولرئيس الحكومة، وأنصف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لكن المواطنين والجمعيات لا يلجؤون إليه كثيراً، يضيف الأمين العام السابق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان.