يقول الكاتب والروائي الكبير حنا مينة في روايته المغامرة الأخيرة: "من لا يجرؤ على المجاهرة بفكره، فلا فكر له "وماذا عن الذي لا يجرؤ على التعبير عن حبه، فأين مكانه؟

يبدو في الظاهر أن الذي يعبر عن أفكاره يكون أكثر قوة واحتراما ومساندة من الذي يعبر عن الحب، لأنه ببساطة يرتبط بذهن الإنسان العربي أن الفكر أقوى من الحب، وأن عالم الأفكار هو عالم الإنجاز والقوة، بينما عالم الحب هو عالم المثاليات والشهوة.

ومن مكر الصدف، نجد مثقفين كبارا يكتبون الأطنان من الأوراق، ويحاضرون في كبريات الجامعات ولا يكفون عن الثرثرة في عدة مواضيع، وعندما تواجههم وجها لوجه مع تيمة تعبيرية، كموضوع الحب، تجدهم يتلعثمون ويصابون بالذهول وقد يبلغ بهم الأمر أن يتبولون في سراويلهم من أن يقولوا لقريب أو قريبة منهم إننا نحبكم.

في إحدى الشذرات من كتاب "العلم المرح" يوصي الفيلسوف نيتشه الرجال، بنزع حب النساء من قلوبهم، لأن الحب في نظره هو "الأنانية في أكثر صورها سذاجة"، ولأن المرأة أنانية بطبعها، وهي كثيرة التكتم في بداية كل علاقة، فهناك من يرى أن تُواجهَ بالسلاح نفسه الذي تتقنه في إسقاط الرجل من برجه العاجي، وهي مهمة في نظري لا يستطيع الرجل أن يتقنها ولا أن يسير فيها إلى أبعد حدود، لأن المرأة ببساطة هي من رتبت فصول "كتاب الشيطان" عندما كان الرجل يغط في نومه العميق، كانت مدركة كل الإدراك ما تريده من الحياة عامة ومن الرجل خاصة، ولعل هذا الإدراك هو ما جعل عالم النفس سيغموند فرويد يقف عنده بتمعن ويطرحه بقوة عندما قال: ماذا تريد النساء؟ وكان يعرف مسبقا أنه لن يتوصل بأي جواب ولو بعد ألف عام.

هل يمكن أن نتحدث عن التعبير عن الحب، كورقة مسروقة من كتاب العواطف في تاريخ العرب، فالأب لا يستطيع التعبير عن حبه لأبنائه، قد يبكي بكاء مرا عليهم لحظة وداع أو سفر طويل، وفي لحظة مرض أو هلاك محتمل، إنه يتحمل كل الضربات الموجعة، وقد يشتد به الوجد لغياب طويل وقاس، وعندما يريد أن يعبر عن ذلك الإحساس الجميل، تجده يقلب ويبحث عن مثن بلاغي عاصف فيقول في نهاية الأمر كلمات باردة مثل حبات الثلج، فتسقط على قلوب الجميع متعبة منهكة كأنها كانت تسير آلاف الأميال في طريق مظلم ولم تصل.

وهل يمكننا أن نتحدث عن التعبير عن الحب للأصدقاء والوالدين، وهذه هي الأخرى أكبر معضلة يعيشها الجميع في إطار علاقات الصداقة، التي تتحكم فيها المصالح والعطاء بالمقابل، والخدمة بالخدمة في الشكل والدرجة والرتبة والزمان والمكان، أضحت الصداقة مجرد اسم فارغ من كل حمولة إنسانية، سئل الكاتب الكبير عبد الفتاح كليطو في حوار له بمجلة بيت الشعر، هل لك أصدقاء، فأجاب ببساطة أن له أصدقاء أيام الدراسة في بدايتها وفي الجامعة، لكن الآن أصدقائي هم أولادي وبيتي وكتبي.

أما بالنسبة إلى الوالدين فالجميع لا يستطيع أن يعبر عن حبهما سوى بما يقدمونه من مال وتذاكر السفر إلى الحج أو كراء منزل وفي أكثر الحالات نقلهم بالمجان إلى دار العجزة، أما التعبير بكلمات تحملن جنسية الحب الكبير فهي لا يمكن أن تكون حاضرة في أي مناسبة وقد تكون حاضرة وأكثر تعبيرا أثناء الوفاة وذلك بواسطة دموع اللحظة، الدموع وحدها من تعوض كل كلمات العالم البئيس.

وماذا لو أراد الرجل أن يعبر عن حبه لامرأة، قد يقول قائل إن التعبير لا يكون دائما بالكلمات قد يكون بالهدايا وبالأعطيات، ولعمري هذا حق أريد به باطل خفي وأعظم تقول المرأة في سرها، وهي تتذكر المثل الإنجليزي المشهور: "يمكن للمال أن يشتري سريرا من ذهب لكنه لا يستطيع أن يشتري النوم"، وهو ما تدركه المرأة عندما تتزوج من رجل ميسور فيغرقها بالعطايا ولا تسمع منه كلمة فيها إحساس ولا عاصفة حب، فتشعر برتابة الحياة وبرودة في بيتها وفي فراشها، فتتمنى لو اقترنت برجل يسقيها كأس خمر الحب كل مساء ويسمعها كلمات فيها تراتيل العشق وأنسامه.

أيها الواقفون على باب الحب، ينادي المنادي، ادخلوا بسلام، لا تنتظروا الاستئذان، إن قلبي أو بالأحرى قلوبنا نحن النساء مفتوحة لكم ولكم الأمان، قولوا ما تشعرون به، أخرجوا ما بداخلكم، نريد أن نسمعكم، نحن في حاجة إلى أن نسمعكم ليس من أجل أن تخففوا عنكم ولكن من أجل أن تعرفوا أن لا بديل لكم.

اهربوا كما شئتم لكن لن تجدوا بيتا في العالم مثل بيتنا يأويكم، ولا تنسوا أبدا رغم ما تقومون به من فظاعات في حقنا فكتاب الشيطان في فصل من فصوله الشهوانية المثيرة يشيد بكم.

 

عبد الكريم ساورة