بالنظر إلى الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، المتراكمة على مغرب اليوم، وجميعها عويصة وملحة، يبدو مشهد المغرب الراهن مخيفا ومفزعا، حيث سيتجاوز عدد سكانه بعد قليل الأربعين مليونا، ولا أحد يدري كيف ستكون الحالة، إذا لم تحل أزمات التعليم والصحة والشغل والفلاحة والهجرة التي تضع البلاد والعباد على لائحة التخلف والفقر والأمية، مع العلم أن أزماتنا لا ترتبط فقط بالخلل الذي يمس القطاعات الحيوية، ولا بالفساد المتعدد الصفات الذي يلتهم الأخضر واليابس، ولكنها ترتبط أيضا بالخلل الذي مس ويمس السياسة المالية للحكومات المتعاقبة، والذي مس ويمس أيضا تخطيطاتها الفاشلة منذ عدة عقود، وهو ما جعل ويجعل التخلف الذي يلفنا من كل جانب، حقيقة لا ريب ولا جدال فيها.

كيف نفسر في أوضاعنا الراهنة، الامتيازات التي تقدمها الحكومة إلى رجال الأعمال الكبار والمرموقين، وإلى الشركات المتعددة الجنسيات، وإلى المتهربين من دفع الضرائب، والتي يقدرها الخبراء بحوالي 3000 مليار سنتيم سنويا، وهو ما يدفع بالأزمة الاقتصادية / الاجتماعية إلى الاتساع والتضخم.

السؤال الذي تطرحه هذه الحقيقة وحدها، كيف يمكن الثقة في حكومة لا تعتمد الإنصاف الضريبي، ولا تبتعد عن ثقافة اغتصاب مؤسسات الدولة...؟

تقول أصداء ميزانية الدولة لهذه السنة، إن السياسة المالية للمغرب الراهن، بسبب التهرب الضريبي الذي تصمت عنه الدولة، وبسبب صمتها عن أصحاب الثروات الضخمة، وبسبب ما تمنحه للمؤسسات الكبرى، وللشركات المتعددة الجنسيات من تسهيلات وإعفاءات ضريبية، لم تعد للمغرب القدرة على تزويد ميزانيته بالموارد الضرورية لتغطية النفقات التي تحقق أهداف التنمية البشرية والمستدامة.

إن مهام الضرائب، هي تحقيق أهداف التنمية والتماسك الاجتماعي للبلاد، وأيضا تأمين حقوق التعليم والبحت العلمي والصحة والبنية التحتية وتصحيح الفوارق الاجتماعية والشغل، إلا ما تقوم به حكوماتنا عفا الله عنها.

يعني ذلك، أن ما تمنحه الحكومة من تسهيلات ودعم للأغنياء وللشركات المتعددة الجنسيات ولأصحاب الثروات الضخمة، إضافة إلى صمتها على تهرب الكبار عن دفع الضرائب المستحقة، يزيد في توسيع فئة الفقراء والمرضى والعاطلين والمقهورين والمهمشين والمتسولين، كما يزيد عدد الأميين والمحرومين من التعليم والتكوين المهني والعيش الكريم، وهو ما يجعل واقع البلاد والعباد، بعيدا عن العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان.

تقارير الخبراء بوضعية المغرب الراهن، تضعنا على لائحة البلدان المتخلفة، رغم ما نملكه من ثروات مادية وطبيعية بالبحار، فوق الأرض وتحت الأرض، وذلك بسبب ثلاث قضايا عويصة تتراكم أخطارها سنة بعد أخرى لتزيد تخلفنا تضخما وإسفافا.

1-عدم تحصيل الضرائب المستحقة من الرساميل الكبرى ومن أصحاب الثروات الضخمة، وتخفيض مبالغ الضرائب عن فئات المحظوظين والمرموقين، باستعمال أساليب وطرق غير مشروعة.

2-تحويل الموارد العمومية إلى غنيمة ينعم بها لصوص المال العام، من المسؤولين والمقربين من السلطة، الذين يشكلون منظومة فساد قوية، بعيدة عن المحاسبة.

3-عدم ملاحقة مهربي الأموال والمتهربين ضريبيا رغم تأثير أفعالهم التي يسميها القانون إجرامية، دون أن تبدل الحكومة أي مجهود لحصر دائرة هذه الأفعال.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة على حالتنا هذه: لماذا تصمت حكوماتنا على ما يضخم تخلفنا...؟

لماذا لا تتعلم من الأخطاء المتوالية...؟ وهل تفتقد حكوماتنا المتوالية الرغبة في الإصلاح والتغيير...؟

من يستطيع الإجابة...؟*

 

محمد أديب السلاوي