-تقديم:

تقبل وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني السنة الجارية على إصلاح جزئي في مجال لغة التدريس بمسلك الثانوي التأهيلي (شعب علمية)، وهو اختيار بقدر ما يمثل إستراتيجية قد تنجح، وقد تفشل، فإنه لا يطرح المشكل الحقيقي لتدريس اللغات أو لغات التدريس بالمغرب، ولكنه يقبل على فعل من غير أن يتسنى إعمال الأبحاث القبلية (اللسانية والسوسي-نفسية) التي من شأنها أن تنير الطريق لمثل هذه الاختيارات.

ونظرا لغياب مثل هذه البحوث أو عدم تداولها بشكل عمومي، سأسعى في هذه الورقة إلى استعراض مظهر من مظاهر هذه القضية في دولة تربطنا بها علائق متعددة ومتشابكة، ومنها استفدنا، ومنها ورثنا كثيرا من مشاكل منظومة التربية والتكوين، عامة، ومشاكل لغة التدريس وتدريس اللغات على وجه الخصوص. فالمهم في نظري ليس هو تدريس عينة من التلاميذ المغاربة (مسلك الثانوي) بالفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية، بل هو كيفية تدريس هذه اللغات ولأي أهداف ووَفق أي كفايات.

تقويم الكفايات اللغوية في أوروبا:

في 2011 شاركت فرنسا في المرحلة الأولى من الدراسة الأوروبية عن الكفايات اللغوية (ESLC) وهدفها تقويم الكفايات اللغوية لدى المتعلمين في مرحلة التمدرس الإجباري.

وقد انصب هذا التقويم على اللغتين الأكثر تدريسا في كل بلد من البلدان المشاركة، وذلك من بين اللغات الخمس الرسمية الأكثر استعمالا في الاتحاد الأوروبي. وفي فرنسا (التي تعنينا حالتها) تم تقويم المتعلمين في اللغتين الإنجليزية والإسبانية. ولوحظ أن الإنجازات (إنجازات المتعلمين) تختلف من بلد إلى آخر، بشكل ملموس ودال، وسجل أن مستويات كفايات المتعلمين الفرنسيين لم تبلغ الشروط المصاغة في البرامج والمناهج المشتركة؛ فمستوياتهم كانت هي الأدنى، عامة، مقارنة بنظرائهم الآخرين (الأوروبيين).

وقد استنتج أن ثمة عوامل مؤثرة في ذلك، كتعلم لغات عدة دفعة واحدة، أو أهمية الوسط العائلي أو الأسري...

منذ 2000 اتخذت المؤسسات الأوروبية العديد من الإجراءات والقرارات قصد تحسين الكفايات اللغوية في دول الاتحاد الأوروبي، ومؤسسة الاتفاق الأوروبي عن مرجعيات اللغات (CECRL). وبعد أن صادق مجلس أوروبا سنة 2011 على ذلك، حددت مؤسسة الاتفاق الأوروبي ستة مستويات للكفاية اللغوية:

من أعلى الكفايات(C2) إلى أضعفها (A1).

تعمل هذه المستويات على وصف:

المعارف.

القدرات.

التي على المتعلم (ة) الأوروبي اكتسابها.

وتحول هذا الإطار (الاتفاق) إلى أساس مشترك لبناء البرامج والمقررات، بالإضافة إلى قدرته على أن يتحول إلى أدوات لتقويم اللغات في أوروبا. وسعت اللجنة الأوروبية إلى صياغة مؤشر عن الكفايات اللغوية. وفي هذا الإطار أُنجِزَ بحث عن الكفايات اللغوية (2007) بهدف تقويم هذه الكفايات لدى المتعلمين مع نهاية تمدرسهم الإجباري. وأسند هذا العمل إلى الجمعية الدولية SurveyLang (المسح اللغوي) المتشكلة من 08 منظمات خبيرة في مجالات التقويم اللغوي. وانصب التقويم على ثلاثة أنشطة لغوية:

فهم الشفهي.

فهم المكتوب.

التعبير الشفهي.

وخضع كل متعلم(ة) لنشاطين فقط.

وكان عدد المتعلمين الأوروبيين الذين خضعوا لهذا التقويم 49562، وذلك سنة 2011. وكانت النتائج كما يلي:

بالنسبة للغة الإنجليزية، وباختلاف الأنشطة اللغوية، فإن:

33‰ إلى 46‰ من المتعلمين حصلوا على المستويين ما قبل A1 وA1.

42‰ إلى 48 ‰ حصلوا على المستويين B1 وB2.

وبالنسبة للغة الإسبانية، فإن:

نسبة كبيرة من المتعلمين بلغوا المستوى ما قبل A1 وA2 (من 54‰ إلى 58‰).

وكانت النتيجة ضعيفة جدا (24 ‰ إلى 29 ‰) بالنسبة للمستويات B1وB2.

بالنسبة للغة الإنجليزية (اللغة الأولى موضوع الدراسة في 13 بلدا)، فإن المتعلمين نجحوا، بصفة عامة، في الاختبارات المكتوبة (55‰ بلغوا المستوى A2/46‰ في فهم ما هو شفهي/41 ‰ في فهم النصوص المكتوبة).

في ستة بلدان (بالنسبة لاختبارات اللغة الإنجليزية) فإن أغلبية المتعلمين بلغوا المستويين B1و B2في الأنشطة اللغوية الثلاثة.

وفي بلدين، من بينهما فرنسا، فإن أغلبية المتعلمين مكثوا في أدنى المستوى A2.

وسجلت فرنسا أضعف المستويات، مع صعوبات جمة يواجهها المتعلمون الفرنسيون في الأنشطة اللغوية الثلاثة.

2- كيف تدرس اللغات ألأجنبية في الاتحاد الأوروبي؟

اكتساب لغة أجنبية أمر إجباري بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي باستثناء إنجلترا.

اكتساب اللغة الأجنبية يبتدئ منذ التعليم الابتدائي إلى نهاية السلك الثانوي (باستثناء إنجلترا ومالطا).

تعلم الإنجليزية أمر إجباري في سلوفينيا واليونان وهولندا والسويد وبلجيكا (الجرمانية). وتتفاوت ساعات تدريس اللغات الأجنبية من بلد إلى آخر ما بين 20 و120 ساعة في السنة (بالنسبة للتعليم الابتدائي) وما بين 61 و189 ساعة سنويا في السلك الثانوي.

3- ما العوامل المتحكمة في هذه النتائج؟

من أهم العوامل المؤثرة، بشكل ملحوظ، في هذه الأرقام (وفي الأنشطة اللغوية الثلاثة المشار إليها):

من الصعب تعلم اللغة الإنجليزية واكتساب لغتين أجنبيتين أخريين.

تعلم الإنجليزية يصبح ممكنا وسهلا إذا كانت لدى الوالدين معرفة بهذه اللغة، ومستواهما التعليمي جيد، والوسط الاجتماعي مساعد، ومشاهدة الأفلام أو البرامج الناطقة بالإنجليزية أو المذيلة بترجمة.

4- ما فرضياتنا بخصوص تعداد اللغات الأجنبية في مرحلة الباكالوريا؟

-اكتساب المتعلم(ة) المغربي لغته الأم بشكل جيد يجعله يتعلم، بشكل جيد، اللغة الأجنبية المقترحة عليه.

-في غياب طبقة متوسطة كبيرة فإن معظم العوامل القادرة على إنجاح تعلم اللغة الأجنبية تصبح طموحا بعيد المنال.

- سيكون من المغامرة المحفوفة بالمخاطر المستقبلية الحكم على مؤسسات أو أجيال بتعلم لغات أجنبية بعينها لم يختاروها ولا يتوفر لها السياق المتكامل القادر على تمكين المتعلمين من التفوق فيها.

- آن الأوان لضبط التعدد اللغوي، وترك أمر تقريره للفاعلين المختصين (لسانيون، سوسيولوجيون، نفسيون، أنثروبولوجيون، تربويون، ديداكتيكيون…) بدل السماح للفاعل السياسي (بمفرده) باتخاذ قرارات قد لا تكون عواقبها محسوبة.

- إجراء البحوث، التيقن من الجدوى، دراسة السياقات خطوات يجب القيام بها قبل اتخاذ أي قرار لغوي. فإذا كانت الإنجليزية هي اللغة الأولى (بالنسبة للأوروبيين) فإن المندرانية (اللغة الصينية الرسمية) هي أهم لغة تتعلمها دول آسيا. فهل سيكون من الذكاء، بالنسبة إلينا، نحن الذين تفصلنا الجغرافيا عن الصينيين تعلمُ المندرانية؟.

- خلاصات:

لقد سعينا، في هذه المقالة المركزة، إلى تحديد معيقات وميسرات اكتساب اللغات وانتقال المعلومات بين جميع مكونات المجتمع التربوي، وبخاصة نقل المعلومات الصادرة عن الجهاد الرسمية. يلاحظ في بلادنا أن انتقال الوزارة الوصية على قطاع التربية والتكوين لا يحصل بموازاته انتقال من حالة تواصلية إلى حالة أخرى. أقصد أن اتخاذ قرار تدريس هذه اللغة أو تحويلها إلى لغة تدريس لا يتم دائما في اتصال مباشر بالمدرسين، رغم أنهم الطرف النهائي الذي يسهر على التنفيذ، فلا يتم تكوينهم دوما وفق حاجاتهم، رغم أنهم العنصر الحاسم في أي تغيير.

 

عثماني الميلود