منذ الخطاب الملكي أمام البرلمان في دورته التشريعية (أكتوبر 2017) ثم في خطاب العرش لسنة 2019، والنقاش والتداول قائمان في ملتقيات فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية حول "النموذج التنموي المغربي الجديد" الذي يهفو إليه جميع المغاربة ويتطلعون إليه بشغف ويأملون أن يعيشوه واقعا حيا في جميع شؤونهم المجتمعية... إلا أنه لا بأس من تسجيل ملاحظتين بارزتين بخصوص هذا النقاش:

أولاهما: استئثار الطبقة السياسية المتحزبة بالحديث عن هذا النموذج التنموي، وكأنه شأن سياسي حزبي محض لا يهم عموم المغاربة، وخاصة النخبة المغربية المثقفة بجميع توجهاتها وقناعاتها الولائية وخبراتها التنظيرية والممارساتية، فهي مدعوة إلى الإسهام في إغناء هذا النموذج التنموي المنشود بكل عفوية وتلقائية وليس تحت الطلب، أو الاكتفاء –فقط-بالتفرج على الوضع الحالي أو توجيه النقد لكل مقترح أو بديل مطروح أنّى كان مصدره.

وثانيهما: أن هذا النقاش تديره وتخوض فيه وجوه وشخصيات سبق لها أن تحملت المسؤولية في قطاع من القطاعات المعنية بهذا النموذج التنموي، وساهمت بشكل من الأشكال في الوضع الحالي للبلاد وما يتسم به من التخلف الاقتصادي، وسوء الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية المقدمة للمواطن المغربي، واتساع هوّة الفوارق الاجتماعية، وغلاء المعيشة، وانتشار أحزمة البؤس والشقاء في المدن والبوادي، واهتزاز منظومة القيم... وغيرها كثير من الكوارث التي تجرّعت مرارتها -وما تزال-ستة أجيال متتالية لما بعد الاستقلال!!!؟؟

إن خير ما تقدم هذه الوجوه لهذا "النموذج" هو أن تتوارى عن الأنظار، أو بالعبارة الدارجة: "تْحْشَمْ على عَرَضْها" و"تعْطي التّساع" لهذا النموذج التنموي المنشود، لأنها باختصار ليست مؤهلة لهذا النقاش، وغير جديرة به، ولن تزيد الوضع بـ"أفكارها" و"مقترحاتها" إلا سوءا وخرابا. لذا، فإن نجاح هذا النموذج يتطلب، أول ما يتطلب، إقصاء كل الوجوه التي أسهمت في تدبير الشأن العام –في أي مستوى من مستويات التدبير-وأدت إلى إفلاسه كليا أو جزئيا.

ويحتاج، فضلا عن هذا، إلى تدابير بسيطة لحفظ كرامة المواطن المغربي، وتحقيق التنمية في كل مجالات العمران، والحد من هدر مقدرات الوطن، وهي تدابير غير مكلفة أو –على الأقل-منخفضة التكلفة وغير مستحيلة التحقق، ومنها:

- الاستلهام من النماذج التنموية العالمية الصاعدة، خاصة في مجالات التنمية الاجتماعية والقضاء على الهشاشة والفقر ومحاربة الفساد المالي والإداري والتنمية المستدامة... ونخص بالذكر تجارب النمور الأسيوية (الهند -كوريا الجنوبية – ماليزيا – سنغافورة) والدول الإفريقية الصاعدة (رواندا – إثيوبيا – تانزانيا)، بحكم أن هذه النماذج تحقق وتيرة معدلات نمو سريعة ومتواترة في السنوات العشر الأخيرة مع أنها كانت تعيش أوضاعا اقتصادية واجتماعية شبيهة بوضعية المغرب.

- التحكم في نفقات التسيير والتجهيز في المؤسسات العمومية، لأن هذه النفقات من أكثر الوسائل استغلالا من طرف المفسدين لهدر المال العام واستنزاف خيرات البلاد ومقدرات الوطن، (بلغت نفقات المعدات والنفقات المختلفة في ميزانية سنة 2019 أزيد من 45 مليار درهم، والتكاليف المشتركة للسنة نفسها أزيد من 44 مليار درهم).

- تثمين العمل اليدوي (la main d œuvre)، أي تحسين أجور القوى العاملة التي تشتغل بسواعدها في مجالات الفلاحة والصناعة والمقاولة وخدمات النظافة والأوراش الطرقية... لأنها تشكل كتلة عددية هائلة ضمن الفئة النشيطة على الصعيد الوطني (35.1% في الفلاحة والمياه والغابات والصيد البحري، 11.7% في الصناعة بما فيها الصناعة التقليدية، 10.8% في البناء والأشغال العمومية، 14.3% في النقل والمستودعات والمواصلات. المصدر: المندوبية السامية للتخطيط سنة 2017)، إلا أن هذه الأعداد الهائلة من الفئة النشيطة اقتصاديا مغبونة في وتتقاضى أدنى الأجور على المستوى الوطني، خلافا للدول المتقدمة التي تتقاضى فيها هذه الفئة أجورا مرتفعة تكون أحيانا أفضل بكثير من أجور الوظائف الإدارية، ولذلك يكون الإقبال عليها كبيرا سواء من مواطني تلك الدول أو من المهاجرين.

- تشجيع الإنتاجية في العمل الاجتماعي بدل اعتماد منطق الإحسان الموسمي والاستهلاك التسولي، وهنا لا بد من تقييم تجربة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وإعادة النظر في كيفية تدبير أموالها والنتائج التي حققتها على مستوى محاربة الفقر والحد من الهشاشة...

- الحد من نهب المال العام باسم العمل السياسي، لأنه ريع سياسي مقنن بجميع أشكاله وفي كل مستوياته بدءا برواتب وامتيازات البرلمانيين التي تكلف خزينة الدولة أزيد من 25 مليار درهم سنويا بأجر شهري يقدر بـ 36 ألف درهم (راتب البرلماني في تونس لا يتجاوز 1000 يورو، أي حوالي 12 ألف درهم)، فضلا عن التعويضات الجزافية التي يتقاضونها عن استعمال السيارات الشخصية لحاجات المصلحة، وتخفيضات تصل إلى 50 بالمائة عن الإقامة في الفنادق، و60 في المائة عن النقل الجوي، علاوة على مجانية التنقل في القطارات وتعويضات عن التنقل خارج تراب المملكة يمكن أن تصل إلى 2500 درهم لليوم الواحد، ومرورا بأجور الوزراء وتقاعدهم الباذخ الذي يستنزف المالية العمومية والامتيازات المادية والعينية التي تصاحب ذلك أثناء أداء مهامهم.... وانتهاء بالدعم المالي المرصود للأحزاب السياسية، حيث تعتمد مالية 14 حزبا بشكل كلي على أموال الدولة، وتتراوح حصة هذا التمويل بين 90 إلى 99.99% على مستوى 10 أحزاب، وبين 60 و90% بخصوص خمسة أحزاب.

 

محمد إكيج