"فسادَ الفكر رأسُ كل فساد"

الحمد لله الذي خلق الكون وما حوى من مخلوقات، وجعل للإنسان في الأرض كل ما يحتاجه لأداء مهمته الدنيوية من استخلاف وتعمير.

والحمد لله الذي سخر له كل المخلوقات نعمة وتفضلا وتكريما منه، لمساعدته في تحمل الأمانة وأدائها على أحسن صورة.

والحمد لله الذي لم يترك الإنسان هملا بعد خلقه، بل تفضل عليه بإرسال الرسل عليهم السلام لتذكيره بماهية الأمانة التي تحملها بإرادته الحرة، ليقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه فيستغل نعمة العقل الذي هو مناط التكليف أحسن استعمال ليحصل على السعادة في الدارين.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الله رحمة للعالمين، والذي افتُتحَت دعوته بالتأكيد على العلم ودراسة الكتابين (المنظور والمقروء) لتتم التزكية والعمران والصلاح والإصلاح على هدى من الله، لتنعم البشرية بالسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.

تمهيد

من النعم الإلهية العظيمة على الإنسان نعمة العقل التي تحتاج منه الشكر الجزيل ثم الاستخدام الأشمل والتوظيف الأمثل، فعليه مناط التكليف (العقل) وبه يحقق الإنسان رسالته ووظيفته في هذا الوجود.

ومن الأزمات التي يعيشها عالمنا الإسلامي أن مناهج التدريس لا تعتني بالآلة (العقل) وبتنميتها، ولا تعتني كذلك بتطوير مهارات تفكيرها. وحينما أصبحت نظرتنا إلى العلوم الإسلامية بكاملها نظرة جعلتها عبارة عن محفوظات تحفظ وتتلى دون أن ندرك أنها تحمل في طياتها حلولا لمشاكل العالم، وأن تلك الحلول لسنا بحاجة إلى استيرادها. وقد أدرك علماؤنا المتقدمون تمام الإدراك هذه المسألة، حيث كانت وظيفة الشيخ آنذاك تهتم بتعليم الطالب مهارات التنزيل، بمعنى أن يطور الطالب عقله كي يتأقلم مع الوحي.

وحينما غابت هذه الرؤية في عصور شهدت التقليد والشخصنة عوض العناية بالأفكار والمناهج، أصبحنا نستهلك ونبحث عن المعلومات والحلول الجاهزة، فتعودنا على هذه العادة، وكانت النتيجة أن استهلكنا تلك الحلول، ومر الزمان فبحثنا بعدها عن الحلول عند الغرب، وهذه المسألة هي جوهر الأزمة.

والقراءتان التي أمرنا بهما (الكتاب المنظور والكتاب المقروء) انفصلتا، فالغرب اهتم بالقراءة في الكتاب المنظور ففقد الوجهة (وجهة الصلاح)، فوقع في الضلال والشرك فحصل الظلم والفساد والإفساد في الأرض.

وحينما غابت عن المسلمين القراءة الأولى (الكتاب المنظور) أو أغلبها تولتها أيدي ليست موحدة وجهتنا نحو الشرك ووجهة الضلال.

يقول تعالى في محكم التنزيل: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم...) أي: يهدي لكل مجالات العلوم والتكنولوجيا، (الاجتماع، الاقتصاد، السياسة، النفس..).فالقرآن دليل في كل أمور الحياة حتى لا نقع في الضلال.

والمسلم ليس له طريقان: الدنيا والآخرة، بل هو طريق واحد، والناس الآن تفكر بالثنائية، وهذه هي روح العَلمانية. وقد تنبه الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله إلى هذه المسألة وكتب كتابا سماه: "العلمانية الجزئية والعلمانية الكلية".

وحينما يدعم الإنسان فكرة الثنائية فإنه يساهم في بناء لبنات العلمانية الكلية. لهذا، فالمسلم يحتاج إلى منهج موحد يضبط به الفكر والسلوك والوجهة.

وكما هو معلوم، فالإنسانُ أسيرُ أفكاره؛ والأفكار "بوصلة" تحددُ مسارَ الحركة، وكلُّ خطوة من عاقلٍ راشدٍ مسبوقةٌ بفكرة، وقد تبلغُ الأفكارُ درجةَ العقيدة والإيمان، فيرى المرءُ عندها الشرفَ والمجد في التضحية من أجلها بالغالي والنفيس، ومن الناس من رأى أفكارَه عرائس من شمع؛ لا تحيا إلا إذا سَقَوها بدمائهم، ولعلهم يتمثلون قولَ الشاعر:

عِشْ دون رأيك في الحياة مجاهداً ** إن الحياةَ عقيدةٌ وجهادُ

ومما يعبَّر به عن تبني الفكر كلمةُ "اعتنق" من المعانقة؛ فيقال: اعتنق فكر الخوارج، أو المعتزلة أو العلمانية أو نحوه، وذلك دلالة على قوة تأثير الفكر في حياة الإنسان.

ولما كانت الأفكارُ من الأهمية بالقدر الذي لا يُجهل كان لا بد من مراجعتها بين الحين والآخر، والنظر في موافقتها للحقَّ؛ فلا أحد يرضى أن يكون للباطل نصيراً، أو أن يجعل من حياته نهباً لأفكار منحرفة.

فالإنسان عامة – والمسلم خاصة - عليه أن يراجعَ نفسه دائمًا؛ فاختيارات الإنسان وقراراته ليست صوابًا على طول الخط، والعاقلُ الذي فقه هذه الحقيقة يجب أن يكون حريصًا كل الحِرْص على إجراء مُراجعات دورية لأفكاره.

إن "كل تجربة تصقل خطانا"

فكل تجربة يستفيد منها العقل تجعل الخطوات أكثر وقعا تأثيرا وديمومة، وإذا كانت الخطوات للعقل وليست للقدم، فإن احتفاظ التاريخ لها يكون طويلا، ومن ذلك المراجعات التي يجريها المفكر لمساره.

وكل كيان - سواء كان سياسيًّا، أم اقتصاديًّا، أم اجتماعيًّا، أم غير ذلك - يجب أن يكونَ له وقفات يراجع فيها أهدافه ووسائله ومواقِفه.

ومعلومٌ أن التحولَ الفكري قد يكونُ نتيجةً من نتائج المراجعة الفكرية، وهو من الخطورة بمكان. ولذا، لزم تحديدُ ضوابط المراجعة الفكرية وتوضيح آلياتها، حتى لا تثمرَ رِدَّة إلى الوراء، لأن "فسادَ الفكر رأسُ كل فساد".

فالأفكار ليست ثوباً نَلبسُه صباحاً ونخلعه مساء، بل لا بد من التأني والتفكر قبل تبني جديد الأفكار؛ فالأمر يتعلقُ بمسيرنا في حياة حاضرة، ويترتب عليه مصيرُنا في حياة آجلة. ولذا، كان لا بد من الدقة والاجتهاد في مراجعتها وفق ضوابطَ مستسقاة من الشرع، أما أن لا يكون للمراجعة الفكرية خطامٌ ولا زمام، فهذا عينُ الفتنة التي عناها ابنُ مسعود رضي الله عنه بقوله: "من كان مُسْتَنًّا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن فتنته"(1).

والتقلبُ الفكري غيرُ المنضبط، الذي رآه بعضُ أهل هذا الزمان - لانطماس بصيرتهم - دليلاً على سعة الأفق وقابلية التفاعل، عدَّه السلفُ الصالح رقةً في الدين، وقلةً في العقل.

ولم يَرُدَّ السلف مراجعةَ الفكر القائمة على ضوابط وأسس مستسقاة من الكتاب والسنة، وحواراتُهم العلمية ومراجعاتُهم الفكرية تشهدُ لهم بذاك، وإنما كان رفضُهم لمنهج أهل البدع المنفلتين عن المنهج القويم الذي رسموه لمراجعة الفكر.

إذاً، هذه ليست دعوةً تزين الجمود، وتحض على التشبث بالأفكار وإن جانبت الصواب، كما قال الأولون وأخبر عنهم أصدق القائلين عز وجل: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 22]؛ ولكنما الحقُّ وسط بين المنكفئين والمنفلتين، وهو منهج المنضبطين.

يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة في كتابه (مراجعات في الفكر والدعوة والحركة): "إن أهمية المراجعة والتقييم والنقد في أداء مهمة الاستخلاف الإنساني تبرز في أنها مؤشر صحة ودليل خلود كامن في قدرة الأمة على التجدد والتصويب، وأنه منهج قرآني وتطبيق نبوي، حيث كانت بعض الاجتهادات في مواقف النبوة محلا لتصويب الوحي وعتابه وتنبيهه لتكون وسائل إيضاح لإدراك الأمة".

ونبه إلى أن الحضارات العالمية اليوم بلغت شأوا بعيداً في مجال التخطيط والتقييم والنقد والرقابة، وأقامت لذلك مؤسسات متخصصة في الوقت الذي نرى فيه سيادة تكرار الأخطاء في عالم المسلمين والمراوحة بين الانفعال واستعجال الثمرة وجزئية المواقف. ثم أوضح أن غياب المراجعة والتستر على الأخطاء نكوص عن حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تميزت بها هذه الأمة.

فالمراجعة الفكرية هي نشاط مستمر للعقل البشري عند كل الخطائين وكل بني آدم خطاء، وهي توبة من نوع خاص مرتبطة بالقيم الروحية والأخلاقية وكذلك بالقيم العقلانية والخصوصيات الذاتية.

إن الأخطاء لا تعالج إلا بشجاعة الاعتراف والاعتذار، وكل الأعذار الأخرى مهما وظفت من تبريرات وآيات وأحاديث لا تغدو إلا أن تؤكد الذنب وربما تكون أقبح.

ونحن نؤكد أن الحقَّ أحقُّ أن يتبع، وأن المسلم متى استبان له الحقُّ هُرِع إليه؛ لأن الحكمة ضالته والهدى مطلبه، وقد عاب الله تعالى على الذين جمدوا على ما هم عليه من ضلال الأفكار لَمَّا استبان لهم الهدى واتضح. والمتأمل في أعظم المشاريع الفكرية المؤثرة في الفرد والمجتمع عبر التاريخ، يجد أن أكثرها تم إنجازه بدوافع المراجعة والنقد التي يحملها العالم أو الفقيه أو الفيلسوف نحو تصحيح فكرة أو مناقشة قضية علمية أو نقد ممارسة واقعية.

ـ فـ (رسالة) الإمام الشافعي في أصول الفقه كانت نقدا ومراجعة لأصول الاستدلال والإفتاء التي أثمرت خلافا وقطيعة بين مدرستي أهل الرأي وأهل الحديث في القرن الثاني الهجري، فكان عمله ريادياً ومرجعياً لكل من اشتغل بالاجتهاد وأصول الفقه.

ـ وكتاب الإمام الشاطبي (الموافقات)، الذي حاول فيه تقديم حلولا علمية لمشكلة التعارض بين المدارس الفقهية وجمعها على أصول كلية معتبرة؛ فأثمرت تلك المراجعة عن أعظم مشروع تأصيلي لمقاصد الشريعة.

ـ وكذا فعل ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل) كمراجعة شاملة لقوانين الاستدلال العقلي، الذي أخذ بها الفلاسفة وبعض المتكلمين لتأويل معاني القرآن والسنة، خلاف منهج السلف في النظر.

ـ ولا أظن أن الأعمال الفكرية العظيمة لديكارت وجون لوك وسبينوزا وكانط وهيجل وهوسرل وبوبر وغيرهم إلا محاولات للنقد والمراجعة وإعادة النظر في القضايا الشائكة لعقود أو قرون من الزمن حول دور العقل ومركزية الإنسان والدين وفلسفة العلم والتاريخ والسلطة" (2).

إن المراجعة الفكرية التي يقوم بها المفكرون والعلماء حيال الأفكار السابقة أو القضايا المتعلقة بظروف زمن أو حال أو مكان، ثم زالت تلك الظروف أو تغيرت، هو شأن المبدعين أهل الإصلاح والتجديد، وحتى ما يقوم به العالم من مراجعة أفكاره وفتاواه وآرائه تعتبر من الفعل العلمي الطبيعي، وهي أيضاً من الشجاعة الفكرية لهذا المثقف أو العالم أو الفقيه، ويمكن اعتبارها أيضاً من دلائل الإخلاص للحقيقة والمعرفة، وهو ما ينبغي الاحتفاء به، دون الاكتراث لغوغائية الشارع والجمهور الذين يعتبرون تغير المواقف دائماً يكون انتكاساً عن الحق وخضوعاً للباطل.

والمهم في هذا السياق أن التحول الفكري (المراجعة الفكرية) لا ينبغي أن يكون صامتاً دون توضيح وتعريف؛ خصوصاً ممن يشار لهم ببنان العلم والاقتداء، وأياً كان الموقف الذي تم التراجع عنه؛ فإن كشف الحساب والمراجعة مع الأفكار الماضية وتقديم الآراء النقدية والمخارج الصحيحة للأزمات؛ هو المغنم الحقيقي لدوران عجلة التطور والنمو المعرفي في المجتمع.

وقد جاءت موجة المراجعات الفكرية التي قامت بها عدد من الجماعات الجهادية خلال التسعينيات، أبرزها الجماعة الإسلامية المصرية 1997م، ثم تلتها مراجعات تنظيم الجهاد قدم لها الدكتور سيد إمام الشريف في صيف 2007م باسم وثيقة ترشيد العمل الجهادي، ثم زكتها مراجعات الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة 2007م، وتم نشرها وتداولها للتعريف بهذه الخطوة الهامة نحو الرشد والاعتدال.

وقد ساهمت تلك المراجعات في تخفيف العنف والتكفير وسفك الدماء وعودة السلم الأهلي نسبياً لهذه المجتمعات في تلك الفترة، ولا تزال هناك موجة منتَظرة ومتردّدة للقيام بمراجعة شاملة؛ لاسيما بعد ثورات الربيع العربي 2011م، فالمشهد الإسلامي تعتريه الكثير من المتغيرات الكبرى ولم نسمع عن وجود مراجعات فكرية شاملة، ولا يزال النقد الفكري للحالة الإسلامية يُمارس من قبل الأفراد وعلى استحياء، دون أن تشارك المؤسسات في هذا العمل تأصيلاً ونقداً، هذا التأخر في مراجعة مواقف تلك الجماعات في مصر والشام وفلسطين والمغرب العربي يثير الكثير من التساؤلات.

فالمقصود هو أن تعلن تلك الجماعات كمؤسسة دعوية من خلال الموجودين خارج السجون، أو من غيرهم في المهجر من معاودة النظر والمراجعة في الكثير من الأخطاء، وكسر الجمود على أساليب تجاوزتها الظروف المعاصرة، وغالب تيارات الإسلام السياسي في إطاره السني يحتاجون إلى مراجعات جذرية ذات بُعد شرعي وفكري وسياسي لكثير من المسائل التي ظهرت بشكل جلي خلال نزوات الربيع العربي، منها على سبيل المثال:

ـ موقفهم من فكرة التنظيم الذي أقصاهم من المجتمع نحو أوهام الاصطفاء الخاص،

ـ وعدم إدراك أبعاد المؤامرات الأممية التي تحاك سراً وعلناً لاستغلالهم في مشاريع فوضى أجنبية،

ـ وأيضاً اندفاعهم العاطفي والمثالي أحياناً لتقمص شخصيات تاريخية دون معرفة أبعاد ومآلات تلك التصرفات، بالإضافة إلى موقفهم البراغماتي من الديموقراطية السياسية دون بيان الموقف الشرعي لهذه التقلبات المريبة في القضايا الخارجية والغائبة عن هياكلهم الداخلية.

كما لا يغيب أيضاً أن هناك إشكالات مزمنة حول مفاهيم متعلقة بالموقف من الغرب والمواطنة والحريات والدستور ومدنية الدولة وغيرها، لم تُحسم في أدبياتهم المعرفية ومنشوراتهم الفكرية، مع تخوّف ينتاب قياداتهم من انفضاض الشارع عند التصريح بها.

وأخيراً... هناك حاجة ماسة في وطننا العربي للقيام بمراجعات شاملة وصادقة، فكرية وسياسية، تستهدف البحث عن مكامن القوة وحمايتها والمحافظة على المكتسبات وتطويرها.

وأهم تلك المراجعات الفكرية المعاصرة ما يسهم في ردم الهواة ودفن الخنادق التي صنعتها الأحداث الماضية بين أبناء المجتمع الواحد، والتي فرقت البلاد العربية إلى طوائف وميليشيات قتل وإرهاب باسم الدين أو الوطن، وتنوير عقول أبنائنا بالفهم الصحيح للشرع في وسطيته ويسره، والتطبيق الأفضل والأمثل والممكن في الواقع.

ولا وجود حقيقي وواقعي لتلك المراجعات في مجتمعاتنا إلا بتولي الراسخين في العلم والفكر هذا الدور والإبانة عن تلك المخاطر، ورسم خارطة النجاة التي تعيد لعالمنا الإسلامي السلام والوئام بعد حقبة السبع العجاف. (يتبع)

الهامشان:

1ـ رواه البيهقي في السنن الكبرى، 10 /116، (20136).

2ـ المراجعات الفكرية... الغياب رغم دواعي الحاجة/ مقال لمسفر علي القحطاني.

عبد الرزاق سماح