يتذكر، أهل الحِلة خصوصاً والعراقيون عموماً، الضَّابط الطَّيار قيس المعموري (اغتيل 2007)، الذي قهر الإرهاب في أخطر سنواته، لكنه كان يغرد خارج السِّرب الطَّائفي، أصرَّ على احتكار الدَّولة للسلاح، ووقف وجهاً لوجه مع الأحزاب الدِّينية، فوُضعت له متفجرة لاصقة التي اشتهرت حينها باغتيالات غير المرغوب بهم. كان أبو مصعب الزَّرقاوي (قُتل 2006) يتمنى أن يُقتل المعموري على يده، لكن الطَّرف الطَّائفي الموازي للقاعدة قام بالمهمة، وأُغلق التَّحقيق كالعادة.

كتبُ حينها في صحيفة «الشَّرق الأوسط»: «مَن قتل المعموري نازوك الحلة»؟! (19/12/2007)، وربطتُ ذلك بأيام بغداد الغابرة عندما اشتد الإرهاب والعنف، ولم تنجح إدارة المقتدر بالله (قُتل 320هـ)، حتى استعان بنازوك المعتضدي (قُتل 317هـ) والياً لشرطة بغداد فبسط الأمن.

قيل: «بانت صرامته من أول يوم، وقام بالأمر قياماً لم يقم به أحد، وفلّ من حدّ الرجَّالة (جماعات تستحصل الأموال للمتنفذين الفاسدين)، كانت نارهم موقدة، وحاربهم حتى أذعنوا، وتناولوا حوائجهم منه بخضوع له، بعد أن قصدوا داره ليحرقوها» (صلة تاريخ الطَّبري). أخذت الجماعات العابثة تخطف العروس من وسط الزَّفة! (المصدر نفسه)، وهذا ما استدعي تعيين شخص مثل نازوك مديراً للشرطة.

بيّن قيس المعموري وعبدالوهاب السَّاعدي عنادهما وشجاعتهما ضد الإرهاب، وضد تحكم الجماعات المسلحة، تحت أي عنوان آخر، غير القوات المسلحة الوطنيَّة. كانا ضابطين محترفين وطنيين، أصرا على مكافحة الإرهاب، وكشف أسبابه، وعندها ستُسقط رؤوسٌ عاثت فساداً.

أحبهما النَّاس لفعلهما على الأرض، فكان يوم تشييع المعموري مشهوداً، وهذا ما حظي به السَّاعدي مِن مشاعر فياضة، عندما عُزل عن مكافحة الإرهاب، ومِن غير الصَّحيح وصمها بالشَّعوبية التي صارت لازمة لدى كلّ مَن يُراد الحط منه، متمنياً على مَن يستخدم المصطلح يعرف موقعه، ولا يكون ضارباً بالدَّف مع الضَّاربين.

سمعتُ الزَّرقاوي، عبر شريط مسجل، يهدد المعموري بالاسم: «فوالله لا حياة لنَّا إن هو ظل حياً! ومازال الليوث يقعدون به كل مقعد ويرصدونه كل مرصد»! قالها رداً على رافضي قتل المتمترسين: تفجير بناية مأهولة، أو سوق مكتظة. وقُتل الزَّرقاوي ولم ينل من المعموري! وظل يواجه "ليوث" القاعدة وجهاً لوجه، يلاحقهم في قلاعهم وحصونهم، ويتقدم جنوده راجلاً. لكنّ للزرقاوي نواباً وسفراء، يتقاطعون معه بالمذهب، ويتفقون معه بالممارسة.

كذلك هو السَّاعدي، كان رقماً عصيّاً على الإرهابيين، أصيب بجروح بليغة، وبعد اندمالها عاد إلى المعارك قائداً. كُلف بقيادة المعارك بالأنبار، ولما تم تحريرها كُلف بتحرير صلاح الدِّين، ثم الفلوجة، وبعدها الموصل، فكم يكون هذا الرَّجل خطراً، وليس بوسعه الانسجام مع القيادات المعروفة بـ«الدمج».

كان إبعاد السَّاعدي مِن ملف الإرهاب جاهزاً منذ يوليو 2019 (صورة المنشور على موقع الحرة)، ولعلَّ التَّأخير يعود إلى التّردد، أو البحث عن سبب، حتى وجدوه «التردد على السفارات»، وهذه التُّهمة مقتبسة مِن «حزب الله» مع شيعة لبنان، وهو يصف الشخصيات الشِّيعية التي تخالفه في خطف لبنان، كمحاولة للتسقيط بـ«شيعة السَّفارة». لكن عندما يخرج السفير الإيراني ببغداد ويقول نضرب أميركا مِن العراق، ويظهر خطيب الجمعة الإيراني ويقول: الحشد بالعراق: إيران، والحوثيون باليمن: إيران، وحزب الله بلبنان إيران، تُصم الآذان وتُخرس الأفواه!

ليس المعموري والسَّاعدي، ممن كانت الأحزاب الدِّينية تُراهن على انتمائهما الطائفي، وخُذلت بهما لعراقيتهما واحترافهما العسكري، لذا قُتل الأول وأُبعد الثَّاني، إنما الوسط الشِّيعي بالوسط والجنوب عموماً، وبالنَّجف وكربلاء خصوصاً، خذل تلك القوى، ولم تعد لولاية الفقيه تلك الحظوة، فشباب هذا الوسط صاروا قرابين باليمن يُقاتلون مع «الحوثيين» وبسوريا، وهذا ما لا يقبله جيش وطني يضم أمثال السَّاعدي والمعموري، أما نهشه القناصين برصاصهم مِن المتظاهرين الأكثر من مئة والأكثر من ستة آلاف جريح، فتلك فاصلة بين جيل تدرب على الولائية وجيل خرج كـ «طائر الفينيق». يقول الجواهري (ت1997) فيه مِن قبل أن يعرفه: «سَينهضُ مِن صميمِ اليأسِ جيلٌ/مريدُ البأس جبارٌ عنيدُ/يُقايضُ ما يكون بما يُرَجَّى/ويَعطفُ ما يُراد لما يُريدُ»(أبوظبي 1979). كم اغتيل مِن هذا الجيل، مِن قِبل حُراس (الفضيلة) الميليشيات، تحت ذرائعَ شتى، ومنها «التَمرد الأخلاقيّ»، وجلّ الذين قنصهم القناصون مِن هذا الجيل، الذي أبهر العالم باستقباله للرَّصاص.

يعرف أهل الموصل مَن سَلم بلدتهم لـ «داعش» ومَن حررها؟! غير أن مَن سلمها يتنقل مِن منصبٍ إلى آخر، بينما يُزاح محررها. لا نقول: لا يلد العِراق مثل السَّاعدي والمعموري، ولكنَّ قتل الأول واستبعاد الثَّاني في هذا الظَّرف الحرج ما يفرض الشَّك بالنَّوايا ضد المؤسسة العسكرية.

أما أن الآلاف ممِن شيع المعموري وتضامن مع الساعدي حُسب شعبويَّاً، فلا ندري ما تعنيه الشَّعبويَّة، وهذا ما أخذ يتداول على الألسن، و«لكلِّ جديد لذة»! أو أن العراقيين لا يتركون صناعة «الصَّنم»! لا يقول هذا غير مَن لم تحرق «داعش» له قلباً، ومَن يرى في قاسم سليماني حامياً! يقول الشَّاعر: «كما خامرتْ في حُجرها أمُّ عامر/مِن الجهلِ حتَّى عالَ أوسُ عيالها»، وشرحه: «الذِّئب يحضن ولد الضّبع» (المعري، الفصول والغايات). سيبقى الإرهاب بالعِراق محمياً بذئب أجرد، وهذا ما يرفضه المعموري والسَّاعدي، وهما لا مِن شيعة السَّفارة ولا الولايَّة، بل مِن شيعة العِراق، ولديهما العِراق أولاً.

رشيد الخيّون