يهدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالقيام بعملية عسكرية لفرض المنطقة الآمنة التي يتوق إليها في شمال شرق سوريا. والتهديد يستهدف قوات سوريا الديمقراطية لكنه خصوصاً يستهدف الولايات المتحدة ونفوذها في سوريا. والرجل حين يهدد فذلك يعني أنه، وكما كان متوقعاً، استنتج أن الاتفاقات التي أعلن عنها بين البلدين لم تنفذ، وأن واشنطن غير مستعدة حتى الآن لمنح أردوغان نفوذاً متقدماً داخل سوريا يوفر له ورقة قوية في المداولات الدولية الكبرى اللاحقة لإنتاج تسوية في سوريا.

يعاني الزعيم التركي من معضلات بنيوية داخلية تؤشر إلى أفول نجمه ونجم حزبه، العدالة والتنمية، الحاكم منذ عقود. العلامات العامة برزت في الانتخابات المحلية الأخيرة، والتي خسر فيها الحزب مدناً رئيسية كانت أبرزها مدينة اسطنبول العزيزة على قلب أردوغان شخصياً. تلقى الرجل صفعتين في هذه المدينة حين خسر مرشحه بن علي يلدريم الانتخابات في التصويت الأول ثم في التصويت الثاني الذي جرى بعد زعم أردوغان والتشكيك في الاقتراع الأول.

والعلامات الأكثر حرجاً برزت في التفكك الذي حصل في حزب العدالة والتنمية وانفضاض القيادات التاريخية للحزب عن زعامة أردوغان، وتحول أسماء لامعة مثل رئيس الجمهورية الأسبق عبدالله غول ورئيس الحكومة الأسبق، ُمنظّر الحزب، أحمد داوود أوغلو والوزراء السابقين علي باباجان وبشير أطالاي وسعدالله أرغين...إلخ. وعلى هذا يفقد أردوغان قيادة تاريخية محضته شرعية، فيما تترنح محاولاته لاستعادة شعبيته وتطيح بها المؤشرات النقدية والاقتصادية المقلقة.

يلحظ المراقب في تركيا أن رفع أردوغان لواء الدفاع عن أمن تركيا من خلال المعركة شرق الفرات لا ينسجم مع حجم الخطر الذي يتهدد البلاد. لا يهدد أكراد سوريا الأمن التركي وليس لديهم أي جاهزية لوجيستية أو تغطية دولية لكي يشكلوا امتدادا مقلقا لحزب العمال الكردستاني. ليس في الأمر أي عجلة تستدعي هذا التجييش الممل ضد أخطار لم يثبت أنها حقيقية ضد تركياً. ناهيك عن أن علاقة الولايات المتحدة بهذا الملف تنزع عن الأكراد أي قدرة على المناورة، حتى لو قصدوا أن يحيكوا نوايا عدائية ضد تركيا.

ومع ذلك فإن معركة أردوغان ضد الأكراد في سوريا تبدو لازمة خطابية، لا تنقذ بالضرورة شعبيته المتصدعة، على الرغم من أنها قد تستفز عصبية عنصرية تركية لطالما تنفخ بها التيارات القومية ودوائرها. ثم أن ذلك التهديد العسكري ضد الأكراد الذين يحظون حتى إشعار آخر بالحماية الأميركية، لا يبدو أنه يقلق "وحدات حماية الشعب" الكردية المستعدة وفق بياناتها للدفاع عن نفسها والمناطق التي تسيطر عليها. وواضح أن موقف الأكراد يستند على موقف أميركي يدفع ببيانات قوات سوريا الديمقراطية أن تكون جازمة في تحديها لخطاب أردوغان.

تتيح المنطقة الآمنة لأردوغان الرفع من شأن سياسة بلاده الخارجية على حساب تلك الداخلية. توفر للرجل مكانة داخل المشهد الدولي المرتبط بالورش الجارية حول سوريا. قمة جمعته مؤخراً مع نظيريه الروسي والإيراني في إطار عملية أستانا، وهو يمنّ النفس بشراكة مع الولايات المتحدة تمحضه شرعية تواجد لقواته في سوريا معترف بها دوليا. والرجل، من خلال المشاغبة بالقرب من مناطق النفوذ الأميركي في سوريا، يحاول تحسين موقعه في مقاربة العلاقة المضطربة مع واشنطن منذ أزمة صواريخ أس 400 الروسية التي دخلت في المنظومة الدفاعية لتركيا، إحدى الدول الأساسية في حلف شمال الأطلسي.

يدخل أردوغان كل المعارك معوّلاً على جني ثمار التسويات. بات موقف الجيش التركي في شمال سوريا مذلاً داخل المسارات التي تتطور في إدلب. تسرّب أن تململاً شاع داخل القيادات العسكرية التركية نتيجة النكسة التي تعرضت لها المواقع التركية ومحاصرة بعضها من قبل قوات النظام السوري. وقيل أن استقالة بعض الجنرالات جاءت تبعاً لهذه الخلفية، وأن قيادات الجيش تنظر بعين القلق إلى أن سلامة القوات التركية في محافظة إدلب باتت تحت رحمة القوات الروسية التي تقرر وحدها وقف النيران المعادية ضد قوات أنقرة كما حجم ودقة هجماتها.

لا يبدو أن أردوغان يخوض المعارك العسكرية لكي يكسبها. يعرف الرجل أنه يلعب مع الكبار، مع روسيا في الشمال الغربي ومع الولايات المتحدة في الشمال الشرقي لسوريا. ويدرك أن تلك المعارك محكومة بالفشل، لكنها مع ذلك تتيح لتركيا اللعب مع الكبار. يطلق أردوغان في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة مواقف استفزازية لا تهدف إلا إلى لفت أنظار هؤلاء الكبار. شكك بمسؤولية إيران عن الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو في السعودية ولم يتخذ أي موقف متضامنة مع الرياض.

يسهل للمراقب أن يلحظ أن أردوغان يلهث للخروج من أزمته الداخلية بالاستناد على سياسة خارجية ركيكة لا ترقى إلى المستوى الاستراتيجي. يمارس أردوغان السياسة بشكل انفعالي. تصطدم أجندته مع أجندة إيران في سوريا، وتصطدم قوات المعارضة السورية المتحالفة مع أنقرة مع الميليشيات الشيعية التابعة لطهران. ومع ذلك، يتطوع الرئيس التركي بالدفاع عن إيران ويرعى اختراق بلاده للعقوبات الأميركية المفروضة على طهران.

يذهب أردوغان لتبني مواقف قريبة من روسيا مقابل ابتعاد عن الحليف الأميركي التاريخي دون أن تثق موسكو بميول أردوغان الروسية الجديدة. ينتهج الزعيم التركي موقفا عدائيا ضد الاتحاد الأوروبي، سواء من خلال التنقيب داخل المياه القبرصية، أو من خلال العودة لابتزاز الأوروبيين بالتلويح باستخدام سلاح المهاجرين ضد البلدان الأوروبية. وفيما يندفع أردوغان لتشويه علاقة بلاده مع العالم الغربي، يندفع بالمقابل للإمعان في تشويه علاقات بلاده العربية من خلال تدخل مباشر في الشؤون العربية، لاسيما ضد مصر والسعودية والإمارات، كما التلويح بالتواجد العسكري في قطر، كما الدعم العسكري المكشوف الذي تمنحه أنقرة لقوات طرابلس في ليبيا.

يطلق أردوغان معركته الموعودة شرق الفرات دون أن يأخذ العالم تلك التهديدات على محمل الجد. قد يبدو أن خصوم أردوغان في الإقليم والعالم يتمنون لأردوغان أن يغرق في معركة شمال سوريا تنزل به هزيمة عسكرية بعد تلك الانتخابية التي مني بها قبل أشهر. لن يتجاوز موقف واشنطن حدود التحذير، فيما أسلحة نوعية فتاكة ستسلم إلى الأكراد لكي يكتبوا بالنار رسائل واشنطن إلى أنقرة. بالمقابل يبتسم فلاديمير بوتين كلما زاد غضب أردوغان ولوح بحربه ضد المنطقة التي يتواجد فيها الأميركيون شرق الفرات. سيبتسم بوتين إذا ما اصطدم أردوغان بواشنطن وسيبتسم إذا ما أنهكت تلك المعركة جهود أردوغان العسكرية. ففي المحصلة تتفق موسكو وواشنطن على أن مآلات سوريا تقررها العاصمتان، وإذا ما كان من مكان لأجندة تركيا وإيران داخل تلك المآلات، فإن تقليص أحجامهما هو مصلحة مشتركة يتواطأ الأميركيون والروس على تحقيقه بخبث الكبار.

محمد قواص