من الخطأ النظر إلى التظاهرات التي يشهدها العراق من جهة كونها تعبيرا عن احتجاج على تردي الخدمات والبطالة وتفشي الفساد فقط.

تلك نظرة تسطيحية ساذجة لا ترقى إلى مستوى الصراع بين قوتين تريد كل واحدة منهما القضاء على الأخرى. الشعب العراقي الشاب من جهة ومن جهة أخرى مجموعة الأحزاب التي وضعها المحتل الأميركي في صدارة المشهد السياسي لتستولي على السلطة والثروة معا منذ عام 2003 وحتى الآن.

إنه صراع مصيري كانت الأحزاب قد استعدت له قبل الشعب. الدليل على ذلك هو لجوء الحكومة السريع والفوري الى استعمال الرصاص الحي في قمع المحتجين لا من أجل تخويفهم بل من أجل قتلهم.

الحكومة لا ترى أملا في أن يكون في إمكانها أن تنهي ذلك الصراع من خلال تسوية مقبولة من قبل الطرفين. كما أن نهاية سعيدة لا يمكن تخيل وقوعها من خلال القضاء على المحتجين. ذلك أمر مستحيل.

المحتجون يدركون أن الحكومة لن تستجيب لمطالبهم التعجيزية. ذلك لأن سقوطها هو واحد من تلك المطالب التي يركزون من خلالها على انهاء العملية السياسية برمتها وطي صفحة نظام المحاصصة الطائفية والحزبية.

في ظل تلك المعطيات تعرف الحكومة أن حوارها مع المحتجين لن يكون ممكنا. فهم يفكرون في شيء فيما يتركز تفكيرها على شيء آخر. بالنسبة لها فإن هناك مشكلة حكم اما بالنسبة للشعب فإنه يفكر بمصيره. لذلك تحدث رئيس الوزراء بما لا علاقة له بما يجري في بغداد والمحافظات العراقية الأخرى. لقد طالب بتوسيع صلاحياته، وهو شأن فني خاص بمنصبه.

في وضع من ذلك النوع ليست الحكومة في وارد الاستجابة لمطالب المحتجين. وفي المقابل فإن المحتجين لن يطلبوا من الحكومة الاستجابة لمطالبهم. ذلك لأنهم صاروا على يقين من أن أية حكومة تنتج عن نظام المحاصصة الطائفية ستكون حكومة فاشلة وفاسدة ولا تستحق أن يتم التعامل معها باحترام.

ينبغي النظر إلى ما يجري في العراق على أساس كونه خصاما نهائيا بين شعب يتوق إلى الحرية والكرامة والحياة السوية والعدالة الاجتماعية وأحزاب فاسدة استولت على السلطة مستعينة بالمحتل ولا يهمها سوى الحفاظ على مصالحها التي تتناقض كليا مع المصلحة الوطنية.

وإذا ما كان رئيس الحكومة العراقية عادل عبدالمهدي قد قال كلمته التي تعبر عن موقف تلك الأحزاب الرافضة لأي تغيير ممكن في طريقة الحكم وبرامجه فإن الشعب هو الآخر قال كلمته الرافضة للهيمنة الإيرانية التي يمثلها استيلاء الأحزاب الموالية لإيران على السلطة.

لذلك فإن الصراع بين الطرفين سيكون دائما مصيريا. فليست الحكومة الحالية هي المقصودة بالنسبة للمحتجين، بل النظام كله وهو ما كانت الأحزاب المستفيدة من وجود النظام مستعدة له.

لقد كانت ستة عشر سنة كافية لكي تسلح الأحزاب نفسها. وهي خطيئة ارتكبها العراقيون يوم تخلوا عن واجبهم في الدفاع عن حقوقهم عبر سنوات الاحتلال وتركوا الأحزاب تفعل ما تشاء وتستولي على ما تشاء.     

تلك خطيئة لن تغفرها الأجيال التي لم تتعرف على العراق إلا باعتباره محمية مستلبة الإرادة تتناوب على حكمها أحزاب لا تملك مشروعا وطنيا للبناء والتنمية والإصلاح.

ولأن المسافة تتسع بين الأجيال والآليات التي تحكم من خلالها الأحزاب دولة لم يعد لمصالح مواطنيها مكان في بنيتها المغلقة فقد صار على الشباب المهمشين والمحرومين والمعزولين أن ينتفضوا لا بحثا عن الحلول في ظل وجود تلك الدولة بل بحثا عن بدائل تحمي مستقبلهم من ظلامية المشروع الإيراني الذي ابتلع الدولة.

لذلك كان الشعار الذي طالب من خلاله المتظاهرون بخروج إيران من العراق هو الأكثر احراجا وارباكا للحكومة والأحزاب التي تقف وراءها. من خلال ذلك الشعار عبر الشباب عن وعيهم الوطني الثاقب الذي دعاهم إلى التظاهر. فالمشكلة لا تتعلق بالخدمات بقدر ما هي مشكلة وطن قادته الأحزاب الموالية لإيران إلى الضياع.

بعد ما جرى في العراق فإن أية محاولة لتجسير الهوة بين الطرفين لن تنجح. فإما الشعب وإما تلك الأحزاب.

فاروق يوسف