ليست كبوة واحدة كبوها، بل هي جملة من الكبوات سجلها التاريخ، ودونتها الأحقاب والأزمان، أعني بها: الموقف من الآخرين الذين نُعِتوا بالبرابرة، واستعباد فئة من الناس بدعوى انحطاط السلالة، واختلاف اللون، وإرادة " السماء ". ومع ذلك، فقد ظلوا ولا زالوا مرايانا العملاقة المجلوة التي نرى فيها وجوهنا ونفوسنا بدناءاتها وسموها، وقياثرنا الروحية العذبة الساحرة التي دوزنت ولا تني تُدَوْزِنُ مسعانا، و" تفرمل " خطانا حذَرَ السقوط في المهاوي السحيقة، والهمجية العميقة.

لكن، دعنا من تلك الكبوات، وإنْ اتسمت بالخطورة، وبما حير ويحير العقول والأذهان. ولْنقفْ، حَسْبُ، على كبوة النظر إلى المرأة، والموقف منها ماضيا وحاضرا. ونحن ـ نبعد من مجال اهتمامنا، بطبيعة الحال، رجال الدين ( الكهنوت )، وأغلب الفقهاء، إذ أن موقفهم من المرأة بما هي عنصر" منحط"، وكائن تافه وكَيْديٌّ، معروف ومتداول، وهو ملء السمع والبصر، ملء الكتب المركومة، والمدونات الملمومة، والوعظ والإرشاد الشفوي في الجوامع والمساجد والدور القرآنية، والمحطات التلفزيونية. سنقف على العكس تماما من هؤلاء، على من اعتبرناهم ونعتبرهم ـ إلى اليوم ـ بناة الفكر الإنساني، وشداة الرأي الحر والتنوير، وأضواء العقل التي بددت ، من حوالينا ـ حلكات الليل، وغيوم الجهل والخرافة والتخلف. إنهم سقراط وأفلاطون وأرسطو، تمثيلا. الذين ساقوا، إلى برارينا المجدبة، أمطار الخير، وآلاء الغبطة والوعي لآدميتنا وإنسانيتنا، ولاحيوانيتنا الصلصالية. لكنهم أخفقوا في تخطي ما وصلهم من فكر ظلامي عَدَّ المرأة إنسانا من الدرجة الثانية، واعتبر وجودها تزيينيا وموقوفا على الإنجاب ضمانا لاستمرار دفق الذرية من الترائب والأصلاب.

والمقام يضيق عن إيراد ما قاله هؤلاء وغيرهم كثير في خصوص المرأة من حيث دونيتها وهشاشتها، وعدم صلاحها للدرس والعلم والتعلم. بل ذهبوا إلى اعتبارها مصدر كل شر. وليس بمستغرب موقف الديانات الوضعية، والتوحيدية الإبراهيمية الثلاث من قضية المرأة. حيث ذهبت المذهب نفسه، وصبت في المجرى عينه. ما يعني أنها انتقصت من شخص المرأة بإلحاقها بالرجل، وتكملته كثلث يقيم هيكله وهيئته وجوهره. بل إنها مصدر الخطايا والرزايا كما جاء في التوراة بالخصوص، وفي الإنجيل بشكل أقل. فهي، بحسبان الديانات، من أوحى إلى آدم بقطف الفاكهة المحرمة، وسرَّعتْ خروجه من الفردوس. وبسببها كتبت اللعنة على كائنات الطين الآدمية في الأزل والأبد. بل إنها خلقت من ضلع أعوج، أو من عطسة عظيمة عطسها آدم. فما يكون المعطوس به، والمخلوق أمام العاطس الفحل، والخالق القدير الذي هو الرجل؟.

ولم ينجُ من الراسب الديني الذي أزرى بالمرأة حتى الكبير أبو العلاء المعري وهو الرائي العظيم. فهاهو يقول في معرض تبخيسها، مثلا:

إن النساء حبال غي ** بهن يضيع الشرف التليد

فحمل مغازل النساء أولى ** بهن من اليراع مقلمات

وقد سرى الموقف والرأي إياه إلى أعصرنا الحديثة، فألفينا من الفلاسفة والمفكرين من يُتَفِّهُ المرأة جملة وتفصيلا، ومن ينعتها بخبث الطوايا، و" النفثات في العقد " اللواتي لا يستحققن الاحترام والتقدير والحب المنشود، ولو كانت أما او أختا أو زوجا. سنصاب ـ إذاً ـ بالدهشة والذهول ونحن نقرأ هذه الأفكار، وما هو أشنع، في عصارات فكر الفلاسفة العظام كشوبنهاور، وروسو، وكانط،، ونيتشه، حتى لا نذكر إلا صناع التنوير الذين ألّهوا العقل، وقدسوا الحجا، وجعلوا من الإنسان مقياس كل شيء. الإنسان ولا شيء غير الإنسان.

وشبيه بهذا الموقف، موقف مفكرينا، وأدبائنا وشعرائنا الذين لقحتهم الحضارة الغربية، واطلعوا على أنوارها في عقر دارها، ومع ذلك لم يفدهم ما هضموه وتشربوه في دَكِّ رواسبهم المعرفية التقليدية، وخلخلة بناهم الذهنية الموروثة، وزعزعة آراء الفقهاء المتحجرة التي ـ يبدو ـ أنها فعلت فعلها في لاَ وَعْيِهم، وباطن عقولهم، وغميس وجداناتهم. ولست أقصد سوى عباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم، وحافظ إبراهيم، وطه حسين، وآخرين. أعرف أن العقاد لم يبرح مصر إلى الغرب، لكنه نهل من أدبياته ومتونه الشعرية والفكرية والسياسية المختلفة.

فكأن البعد الديني التطهيري ( إذْ اعتبر المرأة دنَساً )، حاضر وماثل حضورا ومثولا مهيمنا وموجها للرأي والقلم، ما يجعل الفكر العقلاني والرأي الحر، والمبادرة المبدعة، مغلوبا، مسلوب الإرادة، مرتهنا إلى سيادة الدين، وصوت المجتمع الجهير.

فالعقاد الكبير المستنير، على رغم حبه لمي زيادة، وهيامه بمديحة يسرى، يرى في ما كتب وأعلن أن المرأة مخلوق تافه. وهي إغراء وإغواء، وأن مكانها هو البيت، وشغلها رعاية أطفالها وزوجها. وللرجال عليهن درجة. وهم قوامون عليها، ما يفيد أنهم الأفضل وهي المفضولة.

أما طه حسين الذي ملأ الدنيا وشغل الناس عن جدارة ومعرفة طبعا، فقد تموقف من نضال المرأة المصرية، موقفا ـ أقل ما يقال عنه ـ أنه غريب ومثير ولا يليق بفكره المضيء، وشخصه العظيم. ووجه الغرابة في موقفه، حرمانه المناضلة النسائية الشهيرة درية شفيق، من حقها في ولوج الكلية كأستاذة بدعوى " أنوثتها وجمالها ". وللقاريء أن يستزيد باطلاعه على بعض هاته المواقف المخزية في كتاب الناقد والشاعر يوسف شعبان: ( لماذا تموت الكاتبات كمداً ؟ ).

فمقالات طه حسين عن النضال النسوي، واعتصام النساء بمبنى نقابة الصحفيين، مدونة يحفظها التاريخ في صحيفة " الجمهورية "، إذ نعت النسوة المناضلات الحقوقيات ب " العابثات "، و" مثيرات القلاقل والخزعبلات ".

في حين أن توفيق الحكيم، كان بَيْنياً أي لا هو بنصير للمرأة، ولا هو بعدو لها في المطلق. يقدم رجلا ويؤخر أخرى بحسب تِرْمومِتْر الوقت، ومد وجزر المجتمع، وبندول الزمان والسياق الاجتماعي والسياسي والديني والثقافي. لِنَقُلْ إنه كان انتهازيا. وهاك ما يبرهن على ذلك: ( وجدت أن المرأة مخلوق يريد أن يستأثر بكل شيء في حياتنا. لذا، فإن عداوتي لهذا المخلوق لن تنتهي ما دمت أخشاه. إن عداوتي ليست إلا دفاعا عن نفسي. إني أؤيد بقاء المرأة في البيت لكي تكون بحق ملكة البيت ).

ويقول في سياق آخر مناقضا قوله السابق: ( ومع ذلك، فأنا أعترف أن من المستحيل أن نرى في التاريخ حضارة قامت بدونها، ولا انحطت بدونها. فإن في يديها العبقريتين: عبقرية الفناء، وعبقرية البقاء ).

هكذا كبا المتنورون إنْ عندنا أو عندهم عندما جد الجد، وصح " الصح ". فلم يجدوا من مبرر غير ما ردوه ـ مجتهدين ـ إلى الدين والتراث الإنساني، والعقلية الذكورية المهيمنة عبر تواريخ مديدة، وأحقاب ممتدة والتي هي نتاج منظورات بيولوجية، ومورفولوجية، وثقافية، ودينية، ومجتمعية.

وأخشى أن يكون الموقف المخزي المذكور قائما إلى الآن لدى النخب السياسية والثقافية التي لا تعيا من الحديث عن الديموقراطية والحرية الفردية، والمساواة التامة بين الجنسين.

أخشى أن يكون بعض من يدعي الحداثة والتنوير، يُجَرِّمُ، إن قولا أو فعلا أو كتابة، حرية التصرف في الجسد، ويدين العلاقة بين العلاقة بين الأنثى والذكر خارج مؤسسة الزواج، والتي تنجم عن تفاهم رضائي بين الإثنين، ويلعن الأمهات العازبات اللاتي تورطن، عن حب أو جهل أو اندفاع أو تغرير أو غدر بهن.

لنَنْتَبِهْ إلى عصا الجهل والغوغائية الدينية التي توضع باحترافية عالية، وترصد ماكر مداهن، في عجلات العربة التي تتحرك أماما بقوة وضوء العقل والضمير والإبداع والحرية، والنور الفائر.

 

محمد بودويك