الحياة حكايات وروايات وتجارب للتعلم والتدبر والتأمل.

ولدت وتربيت في أحضان أسرة مثقفة حريصة على توفير أفضل تعليم لأبنائها؛ الأب أستاذ والأم طبيبة أطفال. وكنت منذ نعومة أظافري ألقى والدي راجعا من العمل وعلى وجهه مسحة مزدوجة من التعب والسرور، وكنت أسأله دائما:

- كيف لوجهك يا أبي أن يترجم في الوقت ذاته تعبا وسرورا؟..

وكان كعادته يقهقه من سؤالي المتكرر ويجيبني بلكنته الساخرة والودودة في الآن نفسه:

- أسئلة الفيلسوف لا تنتهي..كيف سأتعامل معها يا الهي؟! اسمعني جيدا، أنت صغير السن لكنك تطرح أسئلة في غاية الوجاهة..عندما أعود من العمل كل يوم أكون في غاية الإنهاك لكن روحي أخف من الريشة.. لماذا؟ لأني بكل بساطة أمضيت يوما كاملا في الاشتغال بما أحب. التدريس بالنسبة لي متعة لا تضاهى..إنه متعة المتع.. أنا مثل الفلاح الذي يرمي البذور في الأرض ويدعو الله أن يبارك له في ما تخرج الأرض من نباتها وشجرها. تخيل أني ألقى يوميا 100 طالب، وأنثر بين أياديهم بذور المعرفة. إذا استفاد طالب واحد أو اثنان فذلك كاف جدا.. لا يمكن أن يهتم الجميع بما تقول ولو كان في غاية الروعة والتأثير، لكن على الأقل هناك من سيرهف لك السمع ويهتم بأفكارك وربما يقلد أسلوبك في التعامل والتواصل وحل المشكلات. إن أجمل ما تعلمته من طلابي هو عدم الكف عن طرح الأسئلة وحب الاطلاع...وأجمل ما علمته لطلابي في العشرين سنة الأخيرة هو التفكير خارج القوالب. يقول جلال الدين الرومي: "تعلمت التفكير، بعدها تعلمت التفكير داخل قوالب، بعدها تعلمت أن التفكير الصحيح هو التفكير من خلال تحطيم القوالب".

هذا ممتاز..لكن، كيف تفكر خارج القوالب؟ أن تفكر خارج القوالب معناه بكل بساطة التفكير خارج صندوق النمط السلوكي الذي يجعل الإنسان حبيسا له ويحد من رؤيته للفرص العظيمة والأحلام والمتع والموارد اللامحدودة التي تزخر بها الحياة.

قبل 30 سنة كان لدي صديق يصغرني سنا؛ وكان فؤاد، وهذا هو اسمه، شديد التعلق بوالديه (عاطفيا)، ولكنه كان مستقل الفكر... وكان والداه يرددان على مسامعه ليل نهار: "لن تنجح في الحياة حتى تحصل على أقصى عدد ممكن من الشهادات الجامعية..نريد في البداية إجازة، بعدها ماستر، بعدها شهادة دكتوراه في الفلسفة، بعدها نريدك أن تصبح أستاذا جامعيا مرموقا وذائع الصيت، ليس في بلدك فحسب ولكن خارج حدوده...".

وكان فؤاد ينصت لوالديه بمنتهى الاحترام لكن أعماقه كانت تجيش بالحزن والتمرد، وكان يقول لنفسه: إن نصائح والدي نابعة من الحب..أحترمها، لكني سأفعل ما أريد..سأحصل فقط على شهادة الإجازة في التسويق وانطلق في عالم التجارة..لا يهم أن أربح دائما في البداية، لكني سأراهن على مراكمة التجارب والعلاقات الإنسانية..لا بأس أن أفشل بين حين وآخر، فلعل الفشل هدية من السماء تعلمني أن النجاح ليس سهلا وأنه يستحق أن نضحي من أجله...

ومرت السنوات وأصبح فؤاد من كبار المليارديرات، وقبل 3 سنوات استضافته قناة تلفزيونية في لقاء مفتوح حول نجاحه في التجارة فكان أول ما قاله في تلك المقابلة هذه الكلمات:

"إن الشكر، كل الشكر أوجهه لوالدي الكريمين اللذين تعلمت منهما عاطفة الحب ووضعتها في تصميم وعمل ما أحب: التجارة. إن والدي فخوران جدا بما حققته وأصبحا يقولان لي دائما: جميل أنك استخرجت من كلامنا ونصحنا إياك عاطفة الحب، فالحب يصنع المستحيل، والأجمل أنك فكرت من خلال تحطيم القوالب..لا يمكن أن يكون الجميع مهندسين وأطباء وأساتذة..فبارك الله لك وللجميع...

فعلا، الحياة حكايات وروايات وتجارب للتعلم والتدبر والتأمل...

*خبير في التواصل والتنمية الذاتية

mahdiamri.isic@gmail.com