"هل شاهدت حجّاراً وهو يكسر الأحجار؟ إنه يظل يضرب الصخرة بفأسه أو معوله ربما مائة مرة، دون أن يبدو فيها أدنى أثر يُبشر بكسر أو فلق. وليست الضربة الأخيرة حققت النتيجة!، بل المائة ضربة التي سبقتها.. وما أكثر الذين يرجعون من منتصف الطريق، بل ما أكثر الذين ييأسون من كفاحهم قبل أن يجنوا ثمرته ربما بزمن وجيز، ولو استمروا وثابروا حتى الضربة الواحدة بعد المائة لحصدوا كل ما زرعوا وأكثر". فيلسوف مجهول

***

منزعج من قابليات المجتمع في السخرية من الثقافة. وأكثر من ذلك أجد نفسي غير قادر على تحمل انهيار حاجز الصمت بينهما.

المجتمع أضحى مركزا لتشويه قيم التثاقف والمعرفة. وهو إلى ذلك يعيد تشويه رمزية التفاعل داخل الأسرة والمدرسة، بين عناصر ومكونات المجتمع. إنه يعتبر الخطاب الثقافي آخر التعاقدات القيمية داخل براديغم الأخلاق والسلوكيات الاجتماعية المتوافق عليها.

بينما المثقف متواطئ في تقليص مسافة الحوار وتنويعه، يرتدي جبة المتنزه عن واجباته تجاه الآخرين، متعاليا عن فكرة التغيير وصناعة الأمل، يبتدع أدوارا أخرى خارج الفعل إياه، مترددا بين اليوطوبيا وواقع مليء بالثقوب والموانع.

مما زاد في توسع الهوة بين المجتمع والمثقف التناقضات الطبقية الفجة التي ذابت ضمن مجال إعلامي اجتماعي مفتوح، صار علامة فارقة في نسقية الانتشار المهول للمعلومات والرموز والحقائق التاريخية والإنسانية.

الشيء الذي عمل على تجفيف الروابط المفاهيمة التقليدية للمثقف والثقافة العضويين.

وعوض التركيز على الفعالية الثقافية والمسار والإستراتيجية الثقافية، انقلب السؤال إلى المشكلات المثاقفاتية التي تحول دون تشبيك الثقافة الجمعية وتركيزها وتثويرها واستهداف مكوناتها وآليات اشتغالها.

يمكن تعليق هذا الوضع عموما على واقع تدبير الثقافة لدى الدولة، وهو ما يتنافى بالمطلق مع (واقع الفكرة الأخلاقية) أو (صورة وواقع العقل) عند هيغل، الذي يرتقي بأفضلية القيم العقلية في عملية شحن الثقافة وتأهيلها لتكون في وضعية (ثورة) وليس (استنزاف) و (اقتدار) عوض (هدم).

كما بإمكان المثقف أن يسهم في تقويم واقع ردة العقل؛ بل الأدهى والأمر هو أن يبقى مراقبا سلبيا وكائنا هلاميا يحصر إقامته الوجودية في الزاوية الخلفية للمجتمع المقهور.

هناك نماذج ثقافية كثيرة في مجتمعنا اليوم تقصر عن فهم وضعيات الثقافة وتستعصي أن تكون في مقدمة من يرفع التحدي ويباشر عضويته المجتمعية بالفعل والعمل التطوعي والمغامرة والتغيير الواعي بالظرفية والحاجة الماسة إلى أعمال الفكر وخلق المبادرة وتأطير الشباب.

والخطير هو أن البعض من هؤلاء يتحسر يوميا عن فجائعية الواقع وتردي أحوال الثقافة وتراجع أدوار المثقفين، وهم منكمشون عن فعل شيء يرفع البلاء أو يحد من تأثيره على الناس.

كل ما يستطيعون فعله التباكي على زمن مضى والتباهي بأنانية مفرطة، ودحض كل النظريات التي تخالف اعتقاداتهم وتصوراتهم.

هؤلاء الذين يتلحفون اليوم بمواقع التواصل الاجتماعي، يطلقون من منصاتها كل أشكال التمييز والعنصرية والحقد الأعمى، ينتظرون لحظة غروب الروح ونهاية العالم، دون أن يأملوا لحظة في أن تنتصر المحبة والسلام ويزول الكره والنفاق.

مصطفى غَلْمَان