أي دور للطبقة الوسطى في تحقيق أهداف النموذج المغربي-المغربي؟

إن السياسة الحكومة المغربية المتبعة في السنوات الأخيرة ضربت في العمق القدرة الشرائية للطبقة الوسطى ودفعت بذلك إلى تقليص أدوارها المجتمعية، على سبيل المثال سياسة إلغاء الدعم عن المواد الأساسية والمحروقات والإصلاحات التخريبية لصناديق التقاعد والتعليم والصحة ونظام الحماية الاجتماعية والتهميش المقصود للثقافة الأمازيغية والتراجعات الخطيرة في الحقوق المدنية وحرية التعبير والاعتقاد وغيرها. هذه النقط تشكل الحاجات الأساسية لهذه الطبقة بالإضافة إلى طموحاتها ورغبتها في تحمل المسؤوليات السياسية والمجتمعية والادارية .

إضافة إلى غياب سياسة حكومية داعمة للطبقة الوسطى في المغرب، فإن الطبقة "الغنية" تمارس عدة ضغوطات تخنق وتعيق بها حاجات ومشاريع الطبقة الوسطى خاصة أن الأولى تتوفر على كل الامكانات والقدرات لتغليب الكفة لصالحها، فهي لا تقبل بأي تنافسية مستقبلية ترفع من امكانية تقليص هامش ربحها، وبالتالي تشكل الطبقة المسيطرة عائقا جوهريا لتحقيق التوزيع العادل للخيرات المنتجة بين كل من يساهم في إنتاجها.

إن الطبقة الوسطى تعتبر المنشط الاقتصادي الداخلي للبلد، فهي الدينامو المحرك لجميع الأنشطة الاقتصادية الصغيرة جدّا والصغيرة والمتوسطة، وتعتبر أيضا مصدر مهما لعائدات الدولة القارة من التحصيل الضريبي. كما أنها تلعب دورا اجتماعيا وتضامنيا مهما، بدءا من المساعدات المالية والعينية التي تقدمها تحت أسماء مختلفة، مرورا بديناميتها وفعاليتها المدنية والسياسية في المجتمع. لدى الطبقة الوسطى القوة الكافية لتلعب أدواراً جد مهمة في انجاح التوجهات السياسية للبلد وكذا في عرقلتها.

إن البناء المجتمعي على قاعدة تكافؤ الفرص والمساواة والعدالة يقتضي بالضرورة تشجيع الطبقة الوسطى على الانخراط الفعال والفاعل ومنحها كل الامكانات للقيام بذلك والمشاركة فيه. فالطبيعة البنيوية لهذه الطبقة لا تدفعها إلى الصراع، فهي تعتبر صمام الأمان للتوازن السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلد، إلا أن تهديد مصالحها وتأزيم أوضاعها بسياسات لا تراعي حجم أهميتها في التنشيط الاقتصادي والتماسك المجتمعي يُمْكن أن يدفعها إلى تحويل وتغيير المسارات السياسية للبلد، كما وقع في مجموعة من البلدان كتونس ومصر والصين وانجلترا وفرنسا وغيرها. لذا، فإن الضرورة تقضي بوجود تعبيرات سياسية ومدنية جريئة وواضحة البرامج والأهداف قادرة على جدبها للمشاركة المسؤولة لأنها الوسيلة الناجعة للاستقرار والأمن السياسي والاجتماعي وكذا لحثها على الانخراط في بناء مشاريع اقتصادية سيادية بغية بناء نموذج مغربي-مغربي.

تشكل الطبقة الوسطى العمود الفقري للمجتمع و نجاح النموذج التنموي المغربي-المغربي لا يمكن أن يتم إلا بوضع برامج ومخططات ترقى بأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما أنها عماد أي تغيير أو انتقال ديموقراطي. لذا، لا يمكن تركها على الهامش أو تهميش مطالبها.

ملحوظة: هذا المقال هو تتمة للمقال: "هل هناك طبقة وسطى ، وأي تعريف لها؟"

عائشة العلوي