يجب أن نفرّق منذ الآن بين الشعب الذي يظهر في نشرات الأخبار في القنوات الرسمية والخاصّة، وبين الشعب الذي يُسيطر على الشارع يومي الثلاثاء والجمعة. يريد النظام اليوم أن يقول للعالم: أنّ الشعب يقف إلى جانب الجيش وإلى جانب النظام، وهذا الشعب هو الوحيد الذي يجب تصديقه، في حين أنّ الملايين التي تعجّ بهم الشوارع فهم مغرر بهم، ومجرّد دمى تُحركها الأيادي الخارجية!

لم يخُن التلفزيون الرسمي عقيدته؛ فهو يؤكد أنّه مجرّد جهاز في خدمة السلطة وليس في خدمة الشعب، لهذا لم يغيّر خطه التحريري، ولا موقعه، بل بقي ملازمًا موقعه التقليدي كبوق من أبواق النظام، هدفه هو تبرير كل ما تقوم به السلطة وتعمية الرأي العام والدولي.

أصبحت نشرات الأخبار الرسمية مجرّد واجهة تجميلية لنظام يقاوم سقوطه، ويحاول عبر التقارير التي تُلقى بطريقة رتيبة أن يؤثّر على الحقيقة، بل أن يعيد إنتاج الواقع. التلفزيون الرسمي ينقل واقعًا افتراضيًا لا علاقة له بما يقع في الشارع، ويريد أن يفرض ذلك الواقع من خلال التسويق لنماذج نمطية من المواطنين يتمّ انتقاؤهم بعناية شديدة، ليكونوا بمثابة صوت الشارع.

من غير المعقول أن تخرج الملايين إلى الشارع تندّد ببقايا هذا النظام، وترفُض كلّ مقتراحاتها، بما في ذلك التعجيل في الانتخابات الرئاسية، ثم نجلسُ في أرائكنا أمام التلفزيون لنرى أن الجميع يطالب ببقاء النظام وبتطبيق كل القرارات التي اُقترحت خارج إرادة الشعب.

إنه ضرب من التناقض الذي يفضح آليات التلاعب بعامل الزمن، والعمل على إعادة هندسة المرحلة من خلال فرض أجندة النظام السابق الذي لا يريد أن يتبدّد بقدر رغبته في التجدّد بشكلٍ لانهائي.

لونيس بن علي