صحيح أن المغرب الجديد هو مغرب الأصالة والحداثة على يد محمد السادس أعز الله أمره، يتجدد ويتغير من حسن إلى أحسن يوما عن آخر، واليوم الجديد أحسن من الفائت بحيث أن المواطن يشعر وكأنه ينتقل من بلد إلى بلد آخر لما يتبدل على نظراته يوميا من مشاريع كبرى وانجازات عظمى وإصلاحات عميقة، ومن ينكر هذا فهو جاحد، فالإصلاحات العميقة التي حققها جلالة الملك محمد السادس وبكل شجاعة وإرادة قوية مكنت المغرب من أن يلج قلوب الكثير من الدول ويحظى باحترام واسع في الداخل و الخارج، وفي مقدمة هذه الإصلاحات دستور 2011 الذي صادقت عليه الأمة بصدق و أمانة من خلال الاستفتاء الطوعي وبشفافية ونزاهة، أشاد به القريب والبعيد، العدو قبل الصديق، على الرغم من بعض المناوشين الهمازين اللمازين الذين هددوا بالصعود إلى الجبال أو الخروج إلى الشارع، ولكنهم بعدما استوعبوا مضامينه انحنوا نادمين طائعين، وان كان البعض منهم ينافق إلا أن الوعي الثقافي والسياسي الذين أصبح يتحلى به المواطنون أفشل ضغينتهم، حيث أن هؤلاء الفاشلون يغفلون بان جلالة الملك بفضل الحكمة المتبصرة والذكاء الثاقب اللذين من بهما الله عز وجل عليه، يعلم عنهم مالا يعلمونه هم عن أنفسهم، وهي منة لا يخص بها سبحانه وتعالى أحدا من عباده إلا إذا أحبه الله وكان صالحا، ومن أحبه الله فتح له أبواب الخير والبركات، وإنها لصفة من صفات الأولياء والصالحين، وحاشى أن تظام بلد فيها سبط الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

فالمغاربة الأحرار يقدرون الأعمال الجليلة حق قدرها، التي يواظب عليها جلالة الملك محمد السادس، وهم يدعون له بالصلاح والفلاح في كل وقت وحين، أحبوه وهو صبي ويحبونه وهو كبير، ملك وأمير المؤمنين، وجلالته في عمله يصل الليل بالنهار ولا يعرف الراحة إلا لمما، وجلالته منشغل بقضايا البلاد والعباد، دون أن يفرط في القضايا الخارجية التي تهم المجتمع الدولي، فهو أمير المؤمنين.

وبحكم معايشتي في السنوات الماضية، أحاول أن أقارن بين تلك الأيام التي عليها المغرب والأيام التي يحياها المواطن المغربي على جميع الصعد والميادين والقطاعات، كالسكن ووسائل النقل، وتحصيل العلم والمعرفة والصحة، والمواد الاستهلاكية، بحيث كان الاستهلاك دون الإنتاج، أما اليوم فالاستهلاك والإنتاج يسيران على قدم المساواة إلا في بعض المواد والآلات والصناعة الثقيلة، وإن كانت هي الأخرى ماضية على سكة تحقيق كل الآمال والحاجات الملحة للمواطن، في إطار شركات التبادل الحر، والحوارات، والتعاون الدولي والثنائي حسب الغاية والحاجة ومتطلبات العصر في ميدان التكنولوجية المتسارعة والمتطورة، والتي بفضل عبقرية جلالة الملك قطع المغرب فيها أشواطا بعيدة أهلته ليحتل مرتبة لائقة في مصاف الدول الديمقراطية والصناعية، والعدالة الاجتماعية وانفتاح المغرب على منافذ الدول الكبرى والمتقدمة وربط علاقات وطيدة مع الدول والتي ربحت في الحرب العالمية الثانية بحيث توجد لدى هذه الدول للمغرب مكانة محترمة وهي محطة إعجاب وتقدير مما ميز مقعد المغرب لدى الأمم المتحدة واحتل المكانة اللائقة به لدى هذه المنظمة الدولية، ومجلس الأمن الدولي، نظرا لما حققه المغرب من معايير ميثاق الأمم المتحدة وتلاؤم القوانين المغربية مع القوانين الدولية.

وإني أرى من هذا المنظور الاعتباري الذي وصل إليه المغرب على المستوى الداخلي والدولي والجهوي والإقليمي، ومدى تجاوب الدبلوماسية الملكية مع الأشقاء والأصدقاء، أنه بدون عبقرية محمد السادس لما حقق المغرب هذه المكاسب، ولما وصل إلى مرتبة الشريك الاستراتيجي مع

الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وها هو المغرب يدق باب إفريقيا السمراء الشقيقة ليلج من كل الأبواب التي تفضي إلى إعادة الكرامة إلى الأشقاء في إفريقيا السمراء والاعتماد على الذات، وذلك من خلال عودة المغرب إلى بيته الطبيعي في الاتحاد الإفريقي.

لهذه الأسباب، ودعما للمزيد من الإصلاحات العميقة والتنمية المستدامة وتحقيقا للمشاريع الكبرى الإستراتيجية والتي تهم القضايا الملحة للمواطن المغربي، لقد حان الوقت لتفعيل الصرامة والحزم.

وبالعبقرية الحكيمة والذكية وبعد النظر لجلالة الملك محمد السادس يمكن القول أن وقت التطهير قد حان، سواء فيما يخص الإدارة العمومية أو المجالس المنتخبة، والجماعات المحلية والوزراء الكسالى أو المشكوك في أمرهم، أو هم أغبياء سياسيا وتنقصهم الرؤية الذكية لبناء مغرب قوي جديد ومتجدد كما يراه خادم هذا الوطن جلالة الملك محمد السادس، وفي نظري الشخصي التطهير هو جزء لا يتجزأ من الإصلاحات العميقة، واعتقد أن البداية أوشكت وهي على الأبواب، وهي بداية مرحلة قادمة وجديدة وحاسمة وقوية، ونقلة نوعية في التنمية المنبثقة من الإصلاحات العميقة التي يقوم بها جلالة الملك محمد السادس حبيب الجماهير ومنقذ البلاد، والسير بها إلى أعلى الدرجات، وأسمى الغايات بتحقيق الأهداف والمراد.

ولابد من التذكير هنا أن الإصلاحات التي قام بها جلالة الملك ليست وليدة مرحلة معينة، أو استجابة لحراكات خاصة، أو هي نزلت لمعالجة ظروف عابرة، وإنما هي إصلاحات كانت مبرمجة، ومخطط لها منذ اليوم الأول الذي استوى فيه صاحب العرش على عرشه، و خير خلف لخير سلف صالح.

وكمثال على ما أقول، دستور 2011، لم يأت من ضغوطات أو تهديد بعض الأحزاب الانتهازية بالصعود إلى الجبال، أو الخروج إلى الشارع، أو أن الربيع العربي لازال حاضرا، أو استجابة لحركة 20 فبراير كما يدعي البعض من المغرضين اللمازين الهمازين، بل هذا الدستور منح المغرب مظهر آخر من مظاهر الديمقراطية، وعزز المفهوم الجيد لدولة الحق والقانون والمساواة أمامه، وتكافؤ الفرص في إطار الحريات العامة واحترام القانون، والالتزام بالواجبات مقابل الحقوق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما وقع في الزلزال السياسي، و أثلج صدور المغاربة قاطبة عندما أعفى جلالة الملك مجموعة من الوزراء الذين لم يستوعبوا خطابات جلالته، وقد يحدث هذا الزلزال مرة أخرى وفي أقرب الآجال، وقد يكون قاسيا وعنيفا.

وتطبيقا لقول جلالة الملك نصره الله، حينما قال أعز الله أمره.

"بصفتنا الضامن لدولة القانون، والساهر على احترامه و أول من يطبقه، فإننا لا نتردد يوما في محاسبة كل من ثبت في حقه أي تقصير في القيام بمسؤوليته المهنية أو الوطنية"

وتبعا لهذه القولة الشهيرة، يمكن القول أن جلالة الملك عازم كل العزم على بناء مغرب جديد، ليس فيه شقي ولا محروم ولا مظلوم، ولا غشاش، ولا غدار، ولا ناهب للمال العام، ولا إفلات من العقاب، وأظن أن هذا التعبير وهذا التجديد سيكون بتجديد العقليات وبدماء جديدة من ذوي الخبرات والعقلاء الأذكياء الذين لهم تجربة ولهم طموح من خلال نظرة ثاقبة وفكر تقدمي حضاري، يحفظ الحقوق و يساوي بين الواجبات والحقوق، وهو من وسط مجتمع عايش الفقير كما عايش الغني، تبضع من الأسواق الشعبية، كما تبضع من أسواق المساحات الكبرى العصرية،

وهو يقارن ويستنتج ماهي الحاجات الملحة للمواطن بدءا من القوة الشرائية والفوارق الاجتماعية، بإعادة النظر في الأجور العليا والمداخل الفاحشة والأرباح الاحتيالية، والريع الاقتصادي، والمعاشات الاستثنائية، سواء هذا رئيس حكومة أو وزير فوق العادة، إلى آخره، حيث إن هؤلاء الأصناف أفقروا الخزينة العامة، وليس من حقهم هذا المعاش الاستثنائي، فهم أدوا خدمة ككل المواطنين، واستفادوا من حوالات سمينة، ولهم أرصدة مالية ثابتة ومتحركة يستطيعون العيش بها في أريحية تامة ومحترمة.

وأرى من واجب اللجنة التي سينصبها جلالة الملك أعز الله أمره، أن تكون عند حسن ظن جلالته وهي تسهر على ابتكار اقتراحات بناءة وقابلة للتنفيذ في اقرب الآجال وهي المتمثلة في الحاجيات الملحة للمواطنين، كالشغل والصحة، وتسهيل ولوج الجميع للخدمات الاستشفائية الجيدة في إطار الكرامة الإنسانية وإدارة ناجعة، وقضاء عادل ونزيه، لأنه هو الذي يعيد الثقة فيما بين المواطنين ويجلب الاستثمار في إطار ديمقراطية الواقع والعيش الكريم، وهذا لن يتأتى إلا بتظافر الجهود بوقفة وطنية جماعية، والانكباب على إيجاد الحلول الناجعة للقضايا والمشاكل التي تشغل بال المغاربة، والمساهمة في نشر و إشاعة الوعي بضرورة تغيير العقليات التي تقف حاجزا أمام تحقيق التقدم الشامل الذي نطمح إليه جميعا، ومن يخالف أو يعرقل أو يمتنع تتخذ في حقه إجراءات قانونية صارمة وقاسية وفق محاكمة عادلة، كما قال جلالة الملك نصره الله في خطاب العرش 2017.

"ولكن اليوم أصبح يفرض المزيد من الصرامة للقطع مع التهاون والتلاعب بمصالح المواطنين"

كما قال جلالته،

"اذا كان المغرب قد حقق تقدما ملموسا يشهد به العالم، إلا ان النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية"

ويقول جلالة الملك نصره الله،

"الكل سواسية أمام القانون، ويقصد جلالته فيما أظن أنه من فرط يعرض نفسه للعقاب الصارم والشديد، قال جلالة الملك، إننا نؤسس لمقاربة ناجعة من نوع جديد، فما نقوم به يدخل في صميم صلاحيتنا الدستورية وتجسيدا لإرادتنا القوية في المضي قدما في عملية الإصلاح و إعطاء العبرة لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام".

وبناء على ما ذكر أعلاه، علينا جميعا كمواطنين أحرار وكغاربة أقحاح، بالتحلي بالموضوعية، والشجاعة والفهم الجيد لما يصبو جلالة الملك دام له النصر والتمكين، و أن ننخرط جميعا في بلورة الوصايا الملكية والنداء الصارخ على أرض الواقع الملموس من أجل بناء مغرب قوي جديد قادر على مواجهة التحديات والعقبات التي يمكن لا قدر الله أن تعترض سبيله الإنمائي والحضاري.

إن ينصركم الله فلا غالب لكم.



عبد العزيز الإدريسي