لا وجه للفطنة في حالة التعلل بالسياسة، ففيها انزلاق أخلاقي داعر يأكل الأشياء من وجوه غامضة.

ومن يستأثر بالفطانة ولا يدرك معرفتها فهو كالشاة المذكاة لا تنفع من حيث هي مدركة لما ينتظرها من السلخ والشي والقضم.

كما أنه من غرابة فهم العرب للفِطْنَةَ أن تطلق على ابتداء المعرفة من وجه غامض؛ إذ يعتبر العرب كلُّ فِطْنَةٍ علما، وليس كلّ علم فِطْنَةً.

ويستطيع صاحب الفطنة بالسياسة أن يستنتج حصول المعرفة بارتياب الغموض عن تدبر الأشياء، فلا يحتمل قدر ما يعتدي، ولا ينظر أكبر مما يرى. فعين القلب أبصر من عين الحداة.

وقريبا من هذا المعنى، يقوم الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة، ضربا من التحول إلى بنية عقل مخمور بالسياسة. وهو عكس تبرير أهل المعرفة عندما قرؤوا قوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ) إذ رأوا أن البيِّنة إشارة إلى صفاء جوهر الروح. والشاهد في ذلك الاستدلال بالأشكال على الأحوال.

أما فطنة السؤال فتتوسم المعرفة من حيث هي وعي وفهم للحقائق واكتشاف المجهول وتحميس الذات.

وكم من سؤال سياسي يحيل إلى فطنة عاكسة للبلادة وطمر المعرفة. فالذي افتعله نواب أمتنا، خصوصا فيما يتعلق بتمرير أعضاء لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، يوم الثلاثاء 16 يوليوز 2019، مشروع القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، لاسيما المادتين 2 و31 المعلومتين بفرنسة التعليم، واللتين أثارتا جدلا واسعا لدى جميع أطياف الشعب المغربي وفعاليات المجتمع المدني؛ وذلك بسبب انتهاكهما الصريح والبين للمادة الخامسة من دستور المملكة المغربية، وتهديدهما لثوابت الأمة المغربية وهويتها ووجودها عبر التاريخ، هو ضرب من الغفلة لا الفطنة، وانحراف القطع بالحق.

فكم من قبيح أضحى جميلا وكم من جميل صار قبيحا، ولكن أغلب الاعتقاد أن من لبس عباءة السياسة وارتوى من حياض قبحها ازدحم وتغرب عن قيم الصفاء وناجدة العطاء.

أعجبتني استعارة الأديب جبران خليل جبران في قصة حكيمة تقول: "تلاقى الجمال والقبح ذات يوم على شاطئ البحر، فقال كل منهما للآخر: هل لك أن تسبح؟ ثم خلعا ملابسهما وخاضا العُباب، وبعد برهةٍ عاد القبح إلى الشاطئ وارتدى ثياب الجمال ومضى في سبيله، وجاء الجمال أيضاً من البحر ولم يجد لباسه وخجل كل الخجل أن يكون عارياً، ولذلك لبس رداء القبح ومضى في سبيله، ومنذ ذلك اليوم والرجال والنساء يخطئون كلما تلاقوا في معرفة بعضهم البعض، غير أن هنالك نفراً ممن يتفرسون في وجه الجمال ويعرفونه رغم ثيابه، وثمة نفر يعرفون وجه القبح، والثوب الذي يلبسه لا يخفيه عن أعينهم".

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

مصــطفى غَــلْمَـان