يثير مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا، الذي تتم مناقشته في مجلس النواب حاليًا، مجموعة من الإشكاليات، تتعلق أولابحجم الدور الممنوح لغير القضاة في بنية المحكمة التي يصفها الدستور بأنها «هيئة قضائية»؛ فالقانون بصيغته الأخيرة تحدث عن هيئة للمحكمة تتكون من 13 عضوًا: سبعة قضاة، وستة أعضاء آخرين من غير القضاة؛ أربعة منهم خبراء فقه إسلامي، واثنان آخران فقهاء قانون. وهو تأويل «متطرف» لنص المادة 92 من الدستور التي نصت على أن «تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب».
إن مراجعة صلاحيات المحكمة الاتحادية الواردة في نص المادة 93 من الدستور تبين أن صلاحيتي الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، فضلاعن تفسير النصوص الدستورية، لا تشكل سوى ما نسبته 25٪ من مجموع الصلاحيات المنوطة بها، وأن الــ75٪ المتبقية من الصلاحيات تختص بقضايا ذات طبيعة قضائية، تتعلق بالفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية، والمنازعات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات، والفصل في الاتهامات الموجهة لرئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، وأخيرًا الفصل في النزاعات ذات الطبيعة القضائية البحتة. وهذا يعني أن سبعة قضاة فقط هم من سيقومون بذلك، ولا دور للستة الآخرين، وهو أمر غير منطقي تمامًا.
الإشكالية الثانية تتعلق بحق الفيتو الذي يريد مشروع القانون أن يمنحه لخبراء الفقه الإسلامي، وبالتالي عدم التوازن فيما يتعلق بآلية اتخاذ القرارات داخل هذه «الهيئة القضائية» كما وصفها الدستور. فمشروع القانون يعطي لخبراء الفقه الإسلامي دورًا فريدًا، (وهو دور مقتبس من النموذج الإيراني حصرًا)، فقد نصت المادة 12 / ثانيًا من مشروع القانون على أنه يشترط موافقة ثلاثة أرباع خبراء الفقه الإسلامي على أي قانون، وهذا يعني عمليًا أن حق أي عضوين من خبراء الفقه الإسلامي استخدام الفيتو لرد أي قانون «يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام» من وجهة نظرهم، بمعزل عن رأي أعضاء المحكمة الأحد عشر الآخرين! المفارقة هنا أن مشروع القانون نفسه، اشترط موافقة ثلاثة أرباع القضاة وفقهاء القانون لتمرير أي قانون أيضًا لا يتعارض مع «مبادئ الديمقراطية والحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور العراقي»! أي أن الأمر يتطلب ثلاثة أعضاء منهم لتعطيل أي قانون يرون أنه يتعارض مع هذا النص الدستوري، دون أن ينتبه المشرع إلى هذه المفارقة!

الإشكالية الثالثة تتعلق بالجهة التي ترشح هؤلاء الخبراء؛ فمشروع القانون يعطي لديواني الوقف السني والشيعي حق ترشيح خبراء الفقه الإسلامي، وفقًا لشروط محددة. ونعتقد أن من غير المنطقي إعطاء الوقفين السني والشيعي هذه الصلاحية؛ فمهمة هذين الوقفين، وفقًا لقانونيهما، هي إدارة الأوقاف واستثمار أموالها والعناية بالمؤسسات ذات الطابع الديني، وهي مهام إدارية بحتة، وبالتالي إقحامهم في اختيار «خبراء فقه إسلامي» ليس من ضمن اختصاصاتهم، وهم إلى ذلك غير قادرين ـ على المستوى المعرفي البحت ـ على تولي هكذا مهمة!
الإشكالية الرابعة في مشروع القانون تتعلق باختيار أعضاء المحكمة الاتحادية من غير خبراء الفقه الإسلامي؛ فبالنسبة إلى فقهاء القانون، أعطيت صلاحية ترشيحهم لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي في إقليم كردستان، وقد أعطيت صلاحية الترشيح للمحكمة الاتحادية العليا، ومجلس القضاء الأعلى، ومجلس القضاء في إقليم كردستان في اجتماع مشترك، فيما يتعلق باختيار القضاة السبعة الآخرين. ولكن الاختيار من بين هؤلاء المرشحين، سيكون للجنة المكونة من رئيس الجمهورية ونوابه، ورئيس مجلس الوزراء ونوابه، ورئيس مجلس النواب ونائبيه، ورئيس السلطة القضائية، وهذا يعني أن الجهات السياسية القابضة على السلطة، سيكون لديها اليد العليا في اختيار من يريدون من القضاة والخبراء، وفقًا لصفقة تعقد بينهم، وليس اعتمادًا على أسس موضوعية، كما هي الحال في كل ما يتعلق بالدولة العراقية بعد عام 2003، ما يعني، بالضرورة، السيطرة لاحقًا على المحكمة الاتحادية العليا المفترضة وتسييس أحكامها وقراراتها، وبالتالي تكرار مشكلة المحكمة الاتحادية القائمة مع كل ما يترتب على ذلك من عدم وجود جهة حكم يمكن التعويل عليها!
الإشكالية الخامسة تتعلق برئاسة السلطة القضائية؛ فقد نص مشروع القانون على أن يكون رئيس المحكمة الاتحادية رئيسًا للسلطة القضائية، وهذا أمر غريب وغير مفهوم تمامًا! إذ إن المحكمة الاتحادية بموجب الدستور هي «هيئة قضائية مستقلة ماليا وإداريا»، ذات اختصاصات محددة نظمتها المادة 93، وليس لها أية علاقة بالهيئات القضائية الأربع الأخرى التي ذكرتها المادة 89 من الدستور، التي تحدثت عن سلطة قضائية تتكون من: مجلس القضاء الأعلى، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، وهيئة الإشراف القضائي، فضلاعن المحاكم الاتحادية، وبالتالي من غير المفهوم كيف يمكن لرئيس المحكمة الاتحادية أن يكون رئيسًا للسلطة القضائية وهو «مستقل» إداريا! خاصة أن قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 45 لعام 2017 قد عد هذه الهيئات جزءًا من مجلس القضاء الأعلى، وبذلك وجب التعاطي مع كل من رئيس المحكمة الاتحادية ورئيس مجلس القضاء الأعلى بوصفهما «ممثلين» للسلطة القضائية على قدم المساواة، تمامًا كما تحدث الدستور العراقي عن السلطة التنفيذية التي تتكون من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء! أي الحديث عن سلطة قضائية بجناحين ليس لأحدهما سلطة على الآخر!
الإشكالية السادسة تتعلق بالنص الدستوري الذي تحدث عن أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا «باتة وملزمة للسلطات كافة»؛ ذلك أن هذا النص أتاح للمحكمة الاتحادية «غير الدستورية» القائمة أساسًا، وعلى مدى 14 عامًا، إصدار قرارات تنتهك أحكام الدستور، وتنتهك ما استقر عليه الفقه الدستوري، فضلاعن إصدار قرارات متناقضة تبعًا لإدارة الفاعل السياسي الأقوى!
من هنا، كان لا بد من أن يتضمن مشروع القانون مادة تتيح الطعن في قرارات المحكمة الاتحادية، أمام المحكمة الاتحادية نفسها، من أجل إلزامها بشرح قراراتها، وتسويغها بما يتفق مع ما استقر عليه الفقه الدستوري، وما يتفق مع أحكام الدستور العراقي نفسه.
لقد تحدثنا طويلاعن المنهجيات التي حكمت قرارات المحكمة الاتحادية القائمة، والتي أفضت في النهاية إلى تقويض النظام السياسي القائم، وتكريس السلطة في يد الفاعل السياسي الأقوى.
ولا نعتقد أن تشكيل محكمة اتحادية عليا جديدة في إطار القانون المقترح، وفي ظل توازن القوى القائم، سيغير من الأمر كثيرًا؛ فالمحكمة ستحكمها المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية، بعيدًا عن أي شروط أخرى، ككل شيء في عراق ما بعد 2003، (المفارقة هنا أن مشروع القانون نص على أن «يحفظ في تكوين المحكمة التوازن الدستوري بين مكونات الشعب العراقي»)، بدون أن يكون هناك هكذا نص دستوري أصلا! فالدستور العراقي اشترط هذا التوازن فيما يتعلق بالقوات العسكرية والقوات الأمنية حصرًا في المادة 9/ أولا/ أ، ولم يشترطها في بقية مؤسسات الدولة!). وأعتقد جازمًا أن التراث الطويل لعدم استقلالية القضاء، وذهنية الموظف العراقي المطيع لأولي الأمر، والامتيازات الممنوحة لأعضاء المحكمة، ستطيح بأية إمكانية لوجود مؤسسة قضائية قوية تواجه الفاعلين السياسيين، وتشكل سلطة حقيقية لمحاسبتهم وردعهم!

يحيى الكبيسي