سيدة فلسطينية من قرية الصفصاف المهجرة قدمت رواية شفوية لـ «القدس العربي» عام 2005 يطابق مضمونها ما جاء في الوثيقة المذكورة بل تتضمن معلومات أشد وأخطر. الحاجة عطرة حسين أم فؤاد (90 عاما) من الصفصاف المدمرة تعيش منذ عام 48 في قرية دير حنا داخل اراضي 48. وكانت الحاجة عطرة قد انتقلت الى دير حنا لتعيش مع زوجها قبل النكبة، وفي منتصف اكتوبر/ تشرين الأول عام 48 زارت بيت والديها كما في كل عام لقضاء شهر، ولم تتوقع في  أبشع كوابيسها ما انتظرها في تلك الزيارة.
وروت ام فؤاد بقلب ثقيل ان الطائرات الاسرائيلية أغارت فجأة على القرية قبيل المساء واخذت تقصف المنازل بشكل عشوائي و»تهز الأرض من تحتنا، لافتة الى حالة الذعر التي دبت بالناس الذين بدأت اغلبيتهم عدا عشرات المسلحين من أبناء القرية، يبحثون عن النجاة بالهرب بدون ان يحملوا شيئا سوى الثياب التي كانوا يرتدونها، «فمن كان جناحه خفيف خرج..».
وتستذكر أم فؤاد ان جيش الإنقاذ (بقيادة أديب الشيشكلي) لحق بالهاربين وأخذ يحضهم على البقاء ونجح بإعادة البعض، فيما فر الآخرون الى الكروم المجاورة او الى لبنان، مشيرة الى ان والدها كان من بينهم، فيما بقيت هي وشقيقتها سرية وشقيقها محمد ووالدتها. وأضافت «في تلك الليلة التي لم يتناول أحد عشاءه.. تناوبت الطائرات والمدافع من مدينة صفد على قصف الصفصاف بالنار فهربنا الى بيت اختي نزهة وبتنا على بعضنا لشدة الخوف وكنا معرضين للموت في كل لحظة وأجسامنا ترتجف لدوي الانفجارات فيما كانت أمي تطلب منا ترديد الآيات القرأنية. ثم تقول «إسا منموت وأخرى شوي حنموت».
وتتابع «أما الاولاد فكادوا يموتون عطشا بعد نفاد الماء فصرنا نحاول أطفاء عطشهم باستخراج قطرات الماء من خابية الزيتون لكنهم أخذوا يتقيئون لاختلاط الماء بالزيت» . ونوهت الى ان شقيقها الشاب محمد خرج قبيل الفجر لتفحص ما جرى في القرية فوجد ان جيش الإنقاذ شرع بمغادرة البلدة فعاد إلينا طالبا ان نرحل.
وتستذكر أنه في الصباح  لم تتمكن بقايا أسرتها من الخروج بعد ان دخل الجنود الاسرائيليون القرية و» صاروا يطخوا العرجة والمكسورة..» وجمعوا الكثير من الأسر التي بقيت في منطقة العين منهم شقيقها محمد الذي حالفه الحظ بالفرار من الموت المحتوم بعد ان تظاهر بالموت. ولاحقا كشف لها شقيقها أن الجنود طلبوا الى الشباب رفع أياديهم فوق رؤوسهم وحصدوهم بالرصاص فقتل العشرات ونجا شابان آخران من عائلة يونس سارع أهلهما الى تحميلهما على حمارين الى لبنان حيث عولجا.
وقالت الحاجة عطرة ان أقاربها أختبأوا داخل البيت وعند المساء فروا هاربين وهاموا على وجوههم صوب لبنان المجاور، مجتازين الوديان والجبال بحالة من الجنون «وكأننا في يوم القيامة الاب لا يسأل عن ابنه او عن أعزائه من شدة الخوف».
ولفتت أم فؤاد الى انها لن تنسى تلك الليلة الليلاء حينما غادروا البيت، مشيرة الى ان القرية كانت تتعرض الى جحيم وكانت القذائف والعيارات النارية تضيء الأجواء وكأنك «رميت كانونا مليئا بالجمر بالهواء».
وأوضحت الحاجة عطرة انها التقت بعد ساعات من الجري على الأقدام بزوجها ووالدها في قرية مارون الراس اللبنانية مع الكثيرين ممن طردوا من منازلهم. وروت بألم عن الأيام الأولى للجوء حينما اضطرت والكثيرون من أهالي بلادها للنوم على رمال البحر في صور، مستذكرة بكاء الأطفال والنساء حينما أمطرت السماء عليهم وهم في العراء اثناء الليل حتى سارعوا مشيا على الأقدام الى الكروم القريبة للاحتماء من الهواء والمطر. وأضافت «عشنا اياما كعيشة غراب البين لا تليق بالحيوانات والله يجازي اللي كان السبب».
وبعد المكوث عدة شهور مرة في مخيم عين الحلوة عادت ام فؤاد برفقة زوجها الى فلسطين بواسطة مهربين من قرية عرابة البطوف، فمشوا طيلة الليل الى ان وصلوا قرية زوجها دير حنا التي نجت من الاقتلاع. وتابعت «اشترى زوجي حمارا ركبته ووضعت ولدا أمامي وولدا خلفي ومشينا.. حتى وصلنا الحدود..  ومررنا بجوار الصفصاف وبيت جن والرامة حتى وصلنا وادي سلامة ونمنا لدى أهلها هناك ليلة واحدة قبل ان نكمل الى دير حنا وبمساعدة مختارها اديب حبيب حصلت على بطاقة هوية وبقينا هنا».
وعبرت الحاجة أم فؤاد وهي تذرف دموعها عن نار الشوق التي كانت تغلي في عروقها طيلة عقود لرؤية أحبائها الذين أبعدتهم النكبة عنها. وأضافت» مات والدي ووالدتي قبل أن أحقق أمنيتي بتقبيلهما، فيما شرد أخوتي في بقاع الأرض». وبلغ انفعال أم فؤاد ذروته حينما روت عن رحلة البحث عن شقيقتها المدللة سرية المقيمة في قطر وعن لحظة اللقاء العفوية بينهما. فقالت « في عام 1987 سمعت اثناء أدائي فريضة الحج أن سيدة فلسطينية جاءت الى مكان إقامتنا وسألت عن حجاج قدموا من الجليل بحثا عني، وعندها قمت بمساعدة « أم ماهر، سيدة من عكا باللف على مساكن الحجاج نبحث عنها بيتا بيتا كمن يفتش عن إبرة في بحر « حتى نشف ريقنا..» لكنني لم أيأس وفي اخر النهار دخلنا إحدى الغرف وكانت فيها امرأة مستلقية على السرير وما ان سألنا عن هويتها حتى هجمت علي وبقينا نتعانق بشكل جنوني ساعة كاملة حتى هرع الجيران على صوت نحيبنا وبكائنا. وقد كانت هذه المرة قبل الأخيرة التي التقيت فيها حبيبتي وشقيقتي المدللة سرية وأنا أتحدث إليها مرة في العام ليلة العيد.. وكنت قبل توديعها قد التقطت الحلقتين الذهبيتين من أذني وأهديتهما إليها للذكرى».