حسنا فعلت أمانة مدينة جدة السعودية حين أشارت إلى أن بناء تمثال الحرية الأمريكي الموجود على واجهة كورنيش الحمراء في المدينة الساحلية «هو للفعالية المؤقتة الخاصة بموسم جدة فقط، وهي فعالية تنقل الثقافة الأمريكية لزوار الموسم»، وبالتالي فإن السعوديين سيتعاملون مع الأمر تعاملهم مع استيراد «هيئة الترفيه» العتيدة، التي يرأسها تركي آل الشيخ، المسؤول السعودي المثير للجدل، لحفلات أبطال المصارعة الحرة والأمسيات الغنائية لأمثال ماريا كاري وياني ونيكي ميناج، وهو أمر يقصد منه الترفيه فحسب.

لكنّ هذا لم يمنع وسائل إعلام عالمية (ولن يمنع السعوديين والعرب بدورهم) عن التساؤل عن هذه المفارقة الكبيرة التي يشكّلها وجود رمز الحرية العالمي هذا، الذي يمثله تمثال امرأة تحمل مشعل الحرّية بيد وصحيفة تحمل تاريخ استقلال أمريكا، وكان هدية من الشعب الفرنسي (تحت اسم «الحرية تضيء العالم») للولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، وتم نصبه في جزيرة إيليس على سواحل نيويورك عام 1886، ليكون المشهد الأول الذي يراه القادمون من العالم والحالمون ببلاد جديدة منذ قرابة أكثر من 133 عاما.

وحسب أحد الصحافيين الأمريكيين فإن «خطف» تمثال الحرية ومعانيه ونصبه في بلد تسوده الدكتاتورية ما كان سيحصل غير في الفترة التي يكون فيها رئيس أمريكا هو دونالد ترامب، فإذا كنت مقيما في السعودية فلن تستطيع، بأي حال، أن تمارس أي معنى من المعاني المتعارف عليها عالمية للحرية، بما في ذلك حرية «الترفيه» إياها، التي يرغب المسؤولون السعوديون أن يقنعوا مواطنيهم أنها ستكون بديلا كافيا عن الحريات السياسية والاجتماعية التي صارت أمرا اعتياديا في أغلب أرجاء كوكب الأرض.

الإشارة إلى ترامب صحيحة تماما، وهو أمر كان واضحا في «الملاطفات» التي حرص على إبدائها لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في أوساكا اليابانية خلال قمة العشرين نهاية الشهر الماضي، في إعلان واضح لاحتقاره لكل المترتبات القانونية والأخلاقية تجاه حادث اغتيال الصحافي جمال خاشقجي وكل التداعيات الأممية والدولية والأمريكية عليه.

لا نعرف كيف ستفكر الناشطات السعوديات المعتقلات بسبب مطالبهن البسيطة بالحرية بهذه المفارقة السوداء، مثل لجين الهذلول التي تم اعتقالها لأنها قدمت طلبا للعمل في الأمم المتحدة فاستخدم دليل إدانة ضدها ضمن سجل «جرائمها» التي كان إحداها المطالبة بتمكين المرأة من سياقة السيارة، وهو أمر تفاخر ولي العهد السعودي بإقراره.

ما نعرفه هو أن انعدام الحرية في السعودية هو ما يجعل من هذه المفارقات ممكنة، بما فيها تحويل تمثال الحرية إلى صنم لعبّاد صناعة الترفيه عن أنفسهم واللعب بحيوات شعوبهم.