لما كتبت الصحافية نورا الفواري مقالا أنكرت فيه عرقلة "الرمضانيين" للمسالك والطرقات العامة في صلاة التراويح وهي عبادة موسمية لاترقى إلى درجة الفرض، تعالت أصوات من هنا وهناك تصدح بلعنها وتفكيرها لأنها تعرضت بحسب زعمهم لمقطوع به في الإسلام، وماإن انقضى رمضان حتى خمدت حمى التسابق على الصلاة وعادت المساجد وساحاتها إلى سابق عهدها تشكو إلى الله هجرعمارها الموسميين، بينما طويت السجاجيد وعلقت السبح وأعيدت الألبسة التقليدية إلى رفوفها لتنهل من معين القرديات والرطوبة. 

الإسلام اجتماعي جاء لنفع الفرد والجماعة، وعباداته كلها اجتماعية فرضت لتحقيق غاياتها،( فالدين بالمقاصد) ومنها تنظيم المجتمع والرقي به إلى أعلى الدرجات، وإشاعة ثقافة التضامن والتكافل، وتحسين السلوك والأخلاق. "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق." 

لماذا يجعل" الرمضانيون"- وهم سواد أعظم - من التراويح أوثق عرى الإسلام ويهتمون بها الاهتمام المبالغ فيه، ويستعدون لها بكامل الاستعداد وهي ليست فرضا، بينما يغيبون الزكاة من ثقافتهم ولا يهتمون بها وهي أهم من التراويح، بل ومن الصيام نفسه. 

بلادنا يعمها الفقر المدقع والمسكنة والحاجة، والأولى بمن يتسابق على الصفوف الأولى أو يتنسم عبق الهواء العليل بساحات المسجد في التراويح أن ينخرط في محاربة الفقر وجوبا لااختيارا بما يخفف على المعوزين من عبء ما تتطلبه الحياة اليومية من تكاليف،وبدل إحصاء عدد الركعات التي صلاها مع الإمام والتي فاتته أن يحصي عدد الفقراء الذين مرعليهم وهو في طريقه إلى المسجد. 

الفقراء، المساكين، اليتامى، الأرامل، العجزة، أطفال الشوارع والمطلقات المعوزات، لماذا يلام هؤلاء الأصناف من الناس عند ارتكابهم الجنح والموبقات أو مسألة الناس للظفر بلقمة العيش؟ .  

كيف يحلو للمسلم التسابق على التراويح وهو يمرعلى العشرات من مثل هؤلاء الناس الذين أمر الشرع بالإحسان إليهم؟

 ، ألا يعلم أن إيمانه الذي يسعى إلى تقويته بالتراويح لن يكتمل إلا بالالتفات إلى هذه الشرائح الهشة وهو الذي يعلم أو يجب عليه أن يعلم حديث الرسول عليه السلام:"ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه." 

أليس من الغرور أن يتساءل المسلم كم صلى من ركعة في التراويح وكم فاته منها ولايتساءل كم من المال يجب عليه إخراجه هذه السنة زكاة مستحقة للفقراء والمساكين؟.  

 القدر الواجب إخراجه من مال الغني - الذي يعرف في الشرع كونه من ملَكَ نصابا سَلم من الدين وحال عليه الحول

 - هو ربع العشر أي 1/40، مايدل دلالة قطعية انعدام أثرالزكاة وإلا لما وجد محتاج يدب على وجه الأرض بفضل أموال زكوات المسلمين الأغنياء الذين يمتنع أغلبهم عن إخراجها إما بخلا أو تحججا بالضرائب التي ألحقوها بالزكاة وهي من حق الدولة التي يعيشون من خيراتها والتي أصلا

 لايدفعون إلا النزر اليسير منها. ثم إن المغرب بلد فلاحي، فأين زكاة الحبوب بمختلف أنواعها الرخيصة والغالية والتي اغتنى بالاتجار فيها كثير من الناس وكذا الثمار التي يجب في ما بلغ منها النصاب وهو ستمائة وخمسون كيلو العشر فيما سقت السماء ونصف العشر في ما استعملت فيه الآلات، هذا دون الكلام عن الماشية؟. 

ألا يخجل المسلمون - خصوصا في هذا البلد - وهم يتسارعون لإقامة عبادة لايدفعون فيها شيئا بينما لايظهر لهم أثر على أبواب الفقراء والمساكين ليدفعوا لهم حقهم في الأموال التي جعلهم الله مستخلفين فيها؟. 

ألا يستحيون من الله ومن أنفسهم عندما يتنافسون على عمارة المساجد وخنق الطرقات والتمييز بين أصوات الأئمة والقراء في التراويح النافلة، بينما يمتنع سوادهم الأعظم عن إخراج الزكاة ودفعها لمستحقيها، وهي الركن الأعظم في الدين بعد الصلاة؟. 

إن الدين بمقاصده وغاياته ياأمة ضحكت من جهلها الأمم..



 علي امقران