لا بديل من الحوار في السودان. غياب الحوار بين "قوى التغيير" التي تمثل قسما كبيرا من الشعب السوداني، خصوصا الجيل الشاب، والمجلس العسكري الانتقالي يعني الدوران في حلقة مقفلة. مثل هذا الدوران لا يمكن ان يؤدّي سوى الى انفجار كبير يمكن ان يتخذ شكل حرب أهلية نتيجتها المتوقعة تشظّي السودان، على غرار تشظّي اليمن.
مؤسف ان تكون هناك احداث دامية كما حصل يوم الاثنين الماضي. هناك مئة ضحية سقطت في ما يسمّى "ساحة الاعتصام" اثر تدخل قوّة عسكرية من اجل فضّ التجمعات الشعبية في تلك المنطقة من الخرطوم. ليست تلك الجريمة، التي وعدت السلطات العسكرية المختصة بفتح تحقيق لتوضيح ملابساتها، سوى دليل على انّ هناك ضباطا سوادنيين ما زالوا يعتقدون انّ في استطاعتهم تكرار تجربة عمر حسن البشير التي استمرت ثلاثين عاما. قامت تلك التجربة على البهلوانيات السياسية وعلى القمع في آن. لعب البشير كلّ الاوراق التي كانت في حوزته، بما في ذلك ورقة تقسيم السودان من اجل البقاء في السلطة. فعل ذلك بدعم من الاخوان المسلمين أحيانا ومن دون دعمهم في أحيان أخرى وبدعم من بعض قياداتهم في معظم الأحيان. كان من دون شكّ مناورا بارعا ولم يكن لديه أي اعتبار، من ايّ نوع، يمكن ان يقف في وجه شبقه اللامحدود الى السلطة.
انتهى عهد البشير بالطريقة التي انتهى بها. هل من يريد الاستفادة من تجربة السنوات الثلاثين الأخيرة التي مرّ فيها السودان؟ هذا هو السؤال الوحيد الذي لا وجود لسؤال آخر غيره. في حال كان هناك من يريد الاستفادة من هذه التجربة ومن كلّ ما سبقها منذ الاستقلال في العام 1956، يمكن الكلام عن احتمال تحقيق اختراق. اذا كان هناك جمود في المواقف، مواقف "قوى التغيير" ومواقف المجلس العسكري الانتقالي، معنى ذلك ان لا امل بمستقبل افضل للسودان الذي يصبح عندئذ مرشّحا لدخول ازمة وطنية عميقة يصعب التكهّن بما يمكن ان توصل البلد اليه.
في أساس هذه الازمة ان السودان لا يمتلك حاليا قوى سياسية قادرة على تولّي السلطة وتسيير شؤون البلد. لا وجود لزعيم سياسي يستطيع جمع السودانيين حوله ولعب دور القائد الوطني واتخاذ قرارات كبيرة وحاسمة تشمل تنظيم المرحلة الانتقالية. يُفترض في هذه المرحلة ان تقود الى انتخابات عامة تمهيدا لتشكيل حكومة جديدة وعودة العسكر الى ثكناتهم وحصر دورهم بالمحافظة على الامن وحماية حدود السودان بدل التدخل في السياسة.
في المقابل، اثبتت احداث الأشهر القليلة الماضية، التي بدأت بحراك شعبي ادّى الى اسقاط نظام البشير، ان لا بديل من دور الجيش في المرحلة الانتقالية. فما اجبر الرئيس السابق على ان يصبح رئيسا سابقا هو موقف عدد لا بأس به من كبار الضباط ابلغوه صراحة انّ وقت رحيله قد حان وانّ مكانه الطبيعي هو سجن كوبر المشهور. 
في الواقع، كان دور الجيش مكملا لدور الحراك الشعبي. هذا يفرض تفاهما بين "قوى التغيير" والمجلس العسكري الانتقالي، خصوصا بعد احداث يوم "الاثنين الدامي" التي كشفت وجود قوى تسعى الى القضاء على أي امل في إيجاد مستقبل افضل للسودان والسودانيين.
اذا كان من درس يمكن استخلاصه من احداث ذلك اليوم، فهذا الدرس يلخّص بانّ هناك قوى تعتقد بانّ في الإمكان تكرار تجربة الحكم العسكري، أي العودة الى عهد إبراهيم عبود او جعفر نميري او عمر حسن البشير. كانت العهود الثلاثة فاشلة الى ابعد حدود. غطت 52 عاما من اصل 63 هي عمر السودان المستقلّ الذي لم يستطع في يوم من الايّام تحقيق خطوة ولو متواضعة في طريق استغلال ثرواته وجعل هذه الثروات في خدمة الشعب السوداني.
على الرغم من رعونة بعض الضباط، الذين اعتقدوا ان في استطاعتهم اللجوء الى مجزرة من اجل قطع الطريق على استمرار التحرّك الشعبي، لا يزال هناك ما يدعو الى عدم التخلي عن الامل. يعني ذلك، بكل بساطة، عودة الجانبين الى لغة المنطق عن طريق الاعتراف بان دور المجلس العسكري الانتقالي مكمل لدور "قوى التغيير"، مثلما ان دور "قوى التغيير" مكمل لدور المجلس العسكري. لا غنى لاي منهما عن الآخر، خصوصا في غياب الشخصية السودانية القادرة على لعب دور قيادي على الصعيد الوطني.
ليس امام الطرفين سوى الاعتراف بانّ لا غنى لاحدهما عن الآخر وذلك على الرغم من الجرح العميق الذي خلفته احداث "الاثنين الدامي". في الإمكان الاستفادة من هذه الاحداث من اجل الوصول الى قناعة بانّ لا بديل من الحوار. الاهمّ من ذلك كلّه، يمكن التمعّن في احداث "الاثنين الدامي" بغية التأكد من وجود قوى تتربص بالمجلس العسكري الانتقالي و بـ"قوى التغيير" في الوقت ذاته. مثل هذه القوى التي ارادت استغلال حرارة الجو (45 درجة مئوية)ّ في الشارع السوداني كي يجد الناس انّ من الأفضل لهم العودة الى منازلهم والتخلي عن أي طموحات بقيام نظام ديموقراطي، ما زالت حاضرة وفاعلة. لا يمكن شطب ثقافة حكمت السودان 52 عاما بين ليلة وضحاها.
حكم إبراهيم عبود ست سنوات والنميري 16 عاما والبشير 30 عاما. كلّ ما في الامر ان ايّا من هؤلاء لم يصل الى السلطة لولا فشل السياسيين السودانيين، وهو فشل اقلّ ما يمكن ان يوصف به انّه عنوان للتخلّف على كل المستويات، خصوصا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتربوي. بدل ان يتقدّم السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال، اذا بالسودانيين يترحمون، في معظمهم، على ايّام الاستعمار البريطاني وعلى مستوى التعليم والنقاش السياسي والثقافي في اثناء تلك المرحلة.
هل لا يزال مكان للمنطق في السودان؟ الحاجة الى شجاعة كبيرة لدى "قوى التغيير"، الممثلة بشخصيات معيّنة لم يستطع أي منها ان يكون في الواجهة، للاعتراف بوجود حاجة الى التعاطي مع الواقع. هناك واقع لا مفرّ منه في السودان. تختزل هذا الواقع الحاجة الى مرحلة انتقالية يكون فيها دور للمجلس العسكري وان في حدود معيّنة. في غياب مثل هذه المرحلة الانتقالية، ستكون هناك في السودان قفزة في المجهول. مثل هذه القفزة هي التي يبحث عنها ضابط مغامر على استعداد لتكرار تجربة عمر حسن البشير وقبله جعفر نميري في بلد سيشعر فيه الناس ان حاجتهم الاولى هي الى الامن قبل الخبز. 
مرّة أخرى، لا بديل من الحوار في السودان، اقلّه من اجل قطع الطريق على الدوران في حلقة مقفلة، او على مغامرة لضابط مجنون. وما اكثر الضباط المجانين في دول عالمنا الثالث! 

خيرالله خيرالله