من الممكن، أن يتملّك المرء الحيرة والعجب، وهو يطالع ويسمع ويقرأ، على وسائل الإعلام أو من خلال وسائل التواصل الإجتماعي، أخبارا عن أفراد، كانوا إلى وقت قريب على قدر من الاحترام والالتزام في كل ما يتعلق بالدين الإسلامي، ثم أصبحوا بين ليلة وضحاها، في الطرف الأقصى للجهة المناقضة لما كانوا عليه؛ بل وأكثر من ذلك بكثير.

 وعندئذ، فإن هذا الرائي، المستعجب والمتحير، لا يسعه إلا أن يقول، سبحان الله مبدل الأحوال.

ذلك أن أحد هؤلاء، وبعدما كان، حسب ما  ذكر هو عن نفسه، قد أمضى من عمره ما يربو عن الثلاث عقود متنقلا من جماعة إسلامية إلى أخرى، صار اليوم لا يعترف حتى بالخالق تعالى.

 واصفا نفسه بالساذج والمغبون، بسبب ما ضاع من عمره من سنين، عبثا في كنف هذا الدين. ولذلك فهو لم يعد يألو جهدا لإظهار مثالبه، بكل الطرق المتيسرة له. داعيا الناس، كنوع من الانتقام، لكي يحدون حدوه، ويستفيقوا من غفلتهم السرمدية. و من يسمع هذا الكلام، سيعتقد أن صاحبه كمن كان مجبرا على أن يكون كما كان؛ وبأن دخوله إلى الدين الإسلامي كان تحت التهديد والإجبار، وتحت حد السيف البتار.

 وبعد تماديه كثيرا في تخيلاته هذه، ظهر، مؤخرا، على شريط فيديو، تم نشره على نطاق واسع، ينبئ فيه الناس بقرب فناء الدنيا، وقيام القيامة، وانتهاء الشر من على وجه الأرض. ولم يفته، أن يحدد لهذا الحدث، أجلا وتاريخا معينا، وبالضبط جعله في ليلة القدر من هذا الشهر المعظم.

 وكل مطّلع على هذا الفيديو، لا محالة أنه سيلمس في صاحبه أمارات من يعاني من اهتزازات نفسية. وهو الأمر الذي سيجعله، بقدر ما ينكر ويستهجن ما جاء في الفيديو من كلام، بقدر ما سيشعر بالأسف حيال الحالة التي وصل إليها هذا الشخص.

 وكما جاء في الموقع الالكتروني- أخبارنا- فإن هذا المتنبئ، كان ينتمي أولا إلى الجهادية السلفية، ثم إلى جماعة العدل والإحسان التي أمضى فيها سنين طويلة؛ وبعد خروجه من الحبس، وجد الفرصة مواتية للانقضاض على مكان له في الصفوف الأولى لحركة 20 فبراير. بعد ذلك، وصفته مجلة اكسبريس الفرنسية، ضمن المائة شخصية الذين يحركون المغرب، حسب ما ورد في ذات الموقع. و على ما يبدو، فإنه على هذا الأساس، تم تسفيره إلى أمريكا في إطار برنامج حوار الأديان. ليغدو بعد ذلك إلى ما هو عليه اليوم!.

 ثم هناك شخص آخَر، حاله لا تقل عن حال الحالة الأولى، وهو الموسوم بـــ(أبي حفص أو محمد رفيقي)؛ وطبعا هناك حالات أخرى عديدة في المغرب. ذلك أن (المسكين)، وبعد أن أمضى قليلا من الأيام، داخل السجن بسبب أفكاره وتشدده، تحول بفعل فاعل، من داعية، إلى أشبه بما يكون جليس أطفال، يصرفهم للضحك إلى حين قدوم أمهاتهم من (الشوبينغ). 

وأضحى، لا يريد إلا أن يستمتع بملذات الحياة، تلك التي كان يعتقد من قبل، أنها لا تستقيم وما ينص عليه الدين الإسلامي. إذ بعد أن كان يرتدي العمائم، والسراويل الواسعة الفضفاضة(القندريسية)، صار اليوم يرتدي سراويل رعاة البقر(كوباي) وربطات العنق ونظارات الشمس ذات الحجم الكبير. 

 ولم يعد يهمّه، كما ذكر هو في أكثر من مرة،  إلا أن يحيا شبابه بحسب ما يشاء له هواه، والذي كاد أن يحُرم منه(شبابه)، بسبب الثلاثين سنة من السجن التي حكم بها. والحياة ولذتها عنده، تختصر في أن يتدثر بدثار حُرم منه في صغره، وبأن يشاهد أفلام ومسلسلات ومباريات في كرة القدم، تعلّم قبل ذلك، أنها من زيغان الشيطان، التي لا يجب أن يتحلى بها العقلاء . . ليترك بذلك، كل ما كان يؤمن به، وراءه ظهريا.  

وصاحبنا، لم يتوقف عند هذا، ولو أنه فعل فإنه من صميم حياته الشخصية وهو حر يفعل ما يشاء فيها؛ لكنه أصبح يطلق (الفتاوى) عل عواهنها، من دون حسيب ولا رقيب في صفحته على (الفايسبوك)، بعيدة غريبة جدا عن مقاصد الدين الإسلامي. 

 ويكفي إطلالة قصيرة على منشوراته، ليتوضّح جيدا ما هو مدبج بها. إذ وبمجرد مطالعتك لما هو منشور، ستحسب منذ الوهلة الأولى، أن ما تراه لواحظك لا يمكن أبدا أن يصدر عن رجل يدين بالدين الإسلامي، فأحرى أن يصدر عن من كان ينتمي إلى وقت قريب إلى  السلفية الجهادية!. 

يقول في أحد هذه المنشورات التي حرص على أن تكون باللون الأحمر الغامق!: "خلاصة القول في مبطلات الصيام، ثلاثة: طعام وشراب وجماع. كل ما سوى ذلك ليس بمفطر". وليت هذا السلفي(التائب) لم يتفتّق عقله على شيء أكثر من هذا. بل تمادى أكثر؛ إذ إنه في معرض رده على تعليقات المتتبعين واستفساراتهم حول هذه(الفتوى)-وللإشارة فإن جميع تعليقاتهم واستفساراتهم فيها هزء وسخرية منه بينما هو يعتقد بينه وبين نفسه على أنه يحسن صنعا-،ظهر  من أجوبته  على أنه فعلا ذهب بعيدا في تخيلاته.

 ولا قول يمكن أن يصدق فيه ويعبر عن حاله إلا ما قاله الشاعــــــر:

ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا . . .   تجاهلت حتى ظن أني جاهل

فوا عجبا! كم يدعي الفضل ناقص . . . ووا أسفا! كم يظهر النقص فاضل

فصحيح أن لا حدود أبدا لتفكير الإنسان، سواء أكان ذلك ذكاء أم سذاجة أم غباء.  وما يمكن أن يجعل من هذا القول صحيحا، هو ما أجازه عقل هذا الرجل(أبو حفص)، من  تقبيل ولمس فرج المرأة وما إلى ذلك من مرادفات جنسية، دون أن يفسدَ صوم الصائمين. مستدلا على ذلك، بأحاديث أغلبها ضعيفة وموضوعة ولا يقبلها عقل عاقل أبدا. 

وكأني بهذا الرجل، يريد أن يعطل العقل البشري الذي بواسطته استطاع الإنسان أن  يصل إلى ما لا يمكن أن يخطر على بال. و لعل هذا هو الفرق بين النقل والعقل. وبين الذكاء والغباء. 

ثم إنه كمن يخايل نفسه، وكأنه وقع على اكتشاف عظيم، عندما خرج مزهوا، ليصرح لوسائل الإعلام، بأن الدين الإسلامي لا يوجد من بين نصوصه ما يجيز القص من المفطر في شهر رمضان. وأن العقوبة والتجريم، المنصوص عليه في القانون الجنائي المغربي الذي أفردها للمفطر في شهر رمضان، إنما ابتدعها المقيم العام (ليوطي)، وذلك حتى لا يختلط الأجانب بالمغاربة. 

يقول هذا، وكأن المشرع الذي أبقى على هذا النص، أغبى منه وأسذج. متناسيا أن الشعب المغربي، أغلبه أمي، وأن إلغاء هذا النص، من الممكن جدا أن يترتب عليه ما لا يحمد عقباه. ولكن الفقيه السابق، يبدو على أن الوسطية والاعتدال( الخاصين بهواه هو وحده) وقبلهما التشدد، قد أغمضوا عينيه عن هذا، وصار لا ينظر إلا في حدود أنفه. ونسي أن الفتنة أشد من القتل. 

وهذه الحالات، ليست حصرا على تاريخ أو زمن معين. فلطالما عرف التاريخ على امتداده العديد منها. ولعل أبرزها، لو تكلمنا على المغرب، حالة ترسخت في تاريخه، لكونها تتعلق بشخصية امتازت بمكانة اعتبارية كبرى في البلد؛ تتعلق بمحمد عبد الجليل الذي تحول من الدين الإسلامي إلى الدين المسيحي، وغير اسمه إلى جون محمد بن عبد الجليل.

 ولكن هذا التحول، لم يرافقه أي سفالة في الفكر أو استهزاء من قبل هذا المتحول. فلا هو أساء للإسلام ولا هو أساء لمشاعر المسلمين، ولا هو افتخر بتحوله، بل ظل صامتا طوال حياته.

وبيت القصيد، من هذا الموضوع، هو ما نلمسه من فرق وبون شاسع، بين هذه الحالة الأخيرة وبين الحالتين السابقتين. أي في الحالة التي يكون فيها التحول، كيفما كان نوعه، مرفوقا بما يشبه الضجيج والتأثير والمجاهرة والإساءة إلى الحد الذي يؤدي ويمس مشاعر الناس، وبين تحول آخر، يكون في صمت محترم لكل المحيطين. 

 وعلى ما يبدو، فالمشكلة ليست في التحول الديني؛ لأن لكل شخص الحرية التامة في أن يعبد ما يريد أو أن يدين بأي دين أراد أو ألا يتبع أي دين. والدين الإسلامي جاء صريحا في هذا الباب. بل إنه كفل حرية الاعتقاد. 

وقد فسر المفسرون بعض الأمثال التي تم  ذكرها في  آيات القرءان الكريم، من أنها تنطوي على حال هؤلاء (المتحولين) الذين يثيرون الجدل والفتنة في جميع أوضاعهم وأينما حلوا و ارتحلوا. فقد روي على أن رجلا كان قد أوتي علما غزيرا؛ ولكنه بفعل فاعل انسلخ عما كان عليه؛ فصار بذلك يلهث في جل مواضعه. واللهث صفة تدل على التعب والسقم. لكنها إن تمت من دون فعل أو جهد فإنها تكون صفة شاذة.    

 

وفي الأخير، لا نردد إلا ما أوصانا به ربنا "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب". سورة آل عمران، الآية 8.



عبد الغاني بوز