حين يصرح بنيامين نتنياهو بأنه يرفض تسليم غزة إلى محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية فإن ذك يعني أن هناك اتفاقا ضمنيا بينه وبين حركة حماس على المضي قدما في حالة القطيعة الفلسطينية. وهو ما يعبر عن تحويل غزة إلى مرض مزمن ينبغي البحث عن حلول منفردة لعلاجه بعيدا عن الإطار الفلسطيني العام الذي لن يكون له محل في التسويات الجديدة.

ليس ذلك التحول مفاجئا ولا عصيا على الفهم.

فغزة التي تقصفها طائرات نتنياهو بين وقت وآخر هي بالنسبة له اللقية الثمينة التي لا يمكن أن يفرط بها بعد أن وضعتها حركة حماس منفردة بين يديه باعتبارها مسألة إنسانية يمكن الرهان على الخروج من خلالها بنتائج تؤكد عدم أهلية الفلسطينيين لاتخاذ موقف وطني موحد، تكون قضيتهم الواضحة جوهره.

ذلك لأن غزة التي تبتز حركة حماس العالم بوضعها الإنساني المتردي منفصلة عن التراب الفلسطيني ولا علاقة لما يعانيه سكانها بحق الوجود الفلسطيني وكل ما تسعى إليه حماس يكمن في سعيها لتأكيد شرعية سلطتها في غزة باعتبارها كيانا منفصلا عن الوطن الام.

شيء واحد يهم حركة حماس هو أن يتم الاعتراف بدولتها في غزة.

كل الحروب الخاسرة التي خاضتها. كل الضحايا المدنيين الذين سقطوا قتلى من غير أن تكون لهم يد في الصواريخ الصوتية التي أطلقت على إسرائيل. كل البنية التحتية التي هُدمت ودفعت أجيال فلسطينية ثمن خرابها. كل الدم والدموع واليتم والترمل والبؤس والقهر وذل المرض واهانة العزل والانتظار من غير أمل عند الحواجز والمعابر. كل تلك الحياة المريرة كان الهدف منها دفع العدو إلى الاعتراف بدولة حماس في غزة.

وهو هدف أقل ما يُقال عنه إنه هدية يتلقاها العدو غير مصدق.

فالحكومة "الاخوانية" في غزة لا شأن لها بالقضية الفلسطينية. كانت ولا تزال تبحث عن حلول تعزز سلطتها. صحيح أنها لم ترفع شعار "غزة أولا" غير أنه صحيح أيضا أنها لا تستند إلى مرجعية فلسطينية في مفاوضاتها.

وحدها تشن الحرب. وحدها تفاوض. وحدها تقرر. في انتظار اعتراف إسرائيلي بدولتها. لم تعد الدولة الفلسطينية حاضرة في برامجها. وهو ما يلائم الطريقة التي يفكر من خلالها نتنياهو. أن يدير ظهره للسلطة الفلسطينية التي تمثل بناء على اتفاق أوسلو الشعب الفلسطيني.

شعب غزة هو غير الشعب الفلسطيني.

ذلك ما لا يفهمه الفلسطينيون في غزة وهو ما لن يفهمه أحد في الضفة الغربية غير أن هو ما يشكل خيط التواصل السري بين حكومة نتنياهو وحركة حماس وهما تسعيان إلى اختراع تاريخ جديد، يكون مناسبا لمشروعهما في إقامة الدولة الاخوانية في غزة.

ولكن مَن يخدم الآخر، إسرائيل أم حركة حماس؟

لقد وجدت إسرائيل في حركة حماس ضالتها. إنها الطرف الذي يجيد صنع الإثارة من خلال الحروب المتجددة التي يذهب ضحيتها المئات من الفلسطينيين. وهو ما يضع غزة في صلب اهتمام المجتمع الدولي. اما بالنسبة لحركة حماس فإن إسرائيل هي التي في إمكانها أن تقدمها إلى العالم باعتبارها خصما فلسطينيا ينبغي البحث عن حلول لإنهاء المشكلة معه.     

تطرح حركة حماس أفكارا تراها إسرائيل مناسبة لها، لذلك فإنها تتبناها في رؤيتها للحل النهائي الذي لن يكون هناك فيه مكان للدولة الفلسطينية.

لن يكون مستبعدا ن يتم الترحيب أميركيا بالدولة الاخوانية في غزة من أجل غض الطرف نهائيا عن السلطة الفلسطينية القائمة في رام الله. تلك السلطة التي ستعاني من العجز تدريجيا لتحل نفسها بنفسها.

نحن أمام واحدة من روايات الخيال السياسي التي كتبت جماعة الاخوان المسلمين عددا من فصولها.

فاروق يوسف