لم يكن من الممكن أن أستسلم للنوم وأنا أشعر بغصة في حلقي، ولكن من حسن الحظ أن عزمي كان واضحا على أن أقوم بواجبي..لأنني أصبحت أمارس حريتي منذ أن أطلقت العنان لسراحي بعد سنوات من الضغط التنظيمي والعمومي..

أنهيت هذا المساء، بمعية ناشطات ونشطاء حركة قادمون وقادرون - مغرب المستقبل، زيارتي إلى منطقة "تاكلفت/أزيلال" الشامخة، وبصرف النظر عن أي اختلاف أو زاوية الرؤية لهذه الزيارة ودرجة البوح بالإيمان بمساري الجديد على طريق الإسهام في بناء الدولة الاجتماعية المغربية ومجتمع الحماية الحقوقية الحقة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، فإن "تاكلفت" أعادت لي الثقة في إعادة النظر في تحديد طبيعة الصراع ببلادنا والمتحكمين فيه قبل الحديث عن أي رسم لآفاق تطويره.

لقد كان يوما مشهودا..كان الألم يشتد بي إلى درجة الجنون وأنا أستمع لشهادات نساء مسنات، منسيات، منفيات في تخوم جبال الشهيد أحمد الحنصالي..من رآني في تلك اللحظة لن يصدق كيف غرقت أقدامي في قاع مثلج، والرجال والأطفال والشباب..وأهالي البلدة ينصتون لآهات الأمازيغيات من دون كراهية أو عداء لأحد.

حليمة طهى، طالبة السوسيولوجيا بجامعة السلطان مولاي سليمان بمدينة بني ملال، ورئيسة اللجنة التحضيرية لحركة قادمون وقادرون تاكلفت المستقبل، هي التي تكلفت بالترجمة وعيونها تغرق في الدموع الحزينة..

"أيت انركي" و"أيت أوقبلي" و"وزاوية أحنصال" و"أيت سخمان" و"أيت داود أوعلي"..حقيقة أخرى تستدعي جبر الضرر الجماعي الفوري..وحقيقة أخرى للقوى السياسية التي تصطرع في الساحة المغربية وتنتشر حولها الخلط والتشويش والإحباط والمجهول..

إنه اليوم الذي باحت فيه نساء "تاكلفت" بما يجيش في مكنونهن حول الفقر والهشاشة وغلاء المعيشة وغياب العناية الصحية والبطالة، مع حديثهن عن أسباب شقائهن المادي والنفسي جراء الضريبة الشهرية على الربط الكهربائي، وعن مهزلة الإنارة والمسالك الطرقية المهترئة.

قد يبدو كلامي للبعض متسرعا، بدعوى أن القائمين على الشأن العام المحلي والإقليمي لهم وظيفتهم، بناء على أصولها ودورها ولعبتها في المجال الترابي..لا، مغرب دستور 2011، ومغرب الحماية الحقوقية، ومغرب الديمقراطية التشاركية، ومغرب الجهوية المتقدمة، ومغرب الهيئات الاستشارية، ومغرب الإنصاف والمصالحة، ومغرب الحق في المعلومة والثروة الوطنية والعدالة المجالية، ومغرب الحق في التعليم والصحة والشغل والسكن...لا يقبل الوضع الاجتماعي لـ"تاكلفت". لقد تغير وعي الناس، وصحا الضمير الشعبي على صورة جديدة لواقعه ولأوضاعه.

إن الموت البطيء بزحف على "تاكلفت"..ولا علاقة لهذه القرية بـ"المجتمع الحداثي الديمقراطي"..ولا علاقة لشبابها بالانتماء الحزبي أو النقابي أو الجمعوي..لكن اعتصامهم التاريخي سنة 2013 لازال وشما في الذاكرة الجماعية..ذلك هو ما يحدد اليوم بوصلة الرؤية الشعبية إلى صورة "تاكلفت" المنسية.

فمتى حياة "تاكلفت" تمد أحياءها بما يفاجئهم؟

إن "تاكلفت" الرسمية مازالت قادرة على تعطيل النمو..ولازالت لها القدرة على التكيف مع الفراغ القاتل، ومع الاستبعاد الاجتماعي، وليس في وسع أحد أن يوقف النزيف...

للحكرة اسم واحد، هو: الحكرة..وللضمير اسم واحد هو: الضمير.

تحملت اليوم أكثر من اللازم حين اشتكت لي الرئيسة الشابة المنتخبة "حليمة طهى"، رئيسة حركة قادمون وقادرون تاكلفت المستقبل، عن أنها منعت من الحق في استغلال قاعة دار الشباب لعقد الجمع العام التأسيسي، وذلك من طرف من يشرف على تسيير هذه المؤسسة المهجورة، في غياب الوزارة الوصية، رغم الترخيص لها من طرف السلطة المحلية؛ ورغم ذلك واصلت مهمتي وتمزقي وتناقضي ورفضي لمثل هذا السلوك المشين، والمخل بحق الشباب في الولوج إلى دارهم/دار الشباب، المهجورة، وبدون كهرباء، والتي لا تتوفر إلا على بعض الطاولات..فحتى الكراسي والمقاعد جاء بها الشباب من المقاهي والمحلات التجارية المجاورة..

لن أستسلم للنوم لأني لازلت أشعر بغصة في حلقي..رغم ما قطعته من مسافة 650 كلم و16 ساعة ذهبا وإيابا..

إن "تاكلفت" تذكر المرء بالطريقة التي يحيا بها أعداء الديمقراطية وحقوق الإنسان والمؤسسات رغم مناداة ملك البلاد المتكررة بالإصلاح والاهتمام بالعالم القروي، ورغم أقاصيص الفقر والشقاء..

لقد انتصرت المأساة في "تاكلفت" وعربدت في ظلالها الخفافيش، فماذا عسى هؤلاء الشباب: حليمة وحنان وطارق وزكية ومججوب (أعضاء المكتب المنتخب لحركة قادمون وقادرون- تاكلفت المستقبل) أن يفعلوا؟

هكذا سكنتني أسطورة هدوء..وهكذا اجتاحت وجودي كفاعل مدني وكحقوقي.

زيارتي هذه إلى "تاكلفت" سرقت مني بسمتي، وحولت لحظات عشقي للحياة إلى رماد يتراقص فوق شظايا البؤس والحرمان.

ولعلي هنا لا أكتب شيئا مختلفا عما يمكن أن يناسبني.

معذرة.. لقد كان واقع "تاكلفت" أقوى مني، رغم سحر الطبيعة وسلاسل جبال أزيلال (بالأمازيغية تعني قمة المرتفع) الممتدة لعدة كيلومترات بين ملتقى جبال الأطلس المتوسط والأطلس الكبير.

فصبرا يا "تاكلفت"..صبرا..غداة غد، لك النصر ولنا الفرح..

المريزق المصطفى