في الأثر، عندما التقى المسيح عيسى عليه السلام مجموعة من الناس يرجمون امرأة، توجه إليهم: من كان منكم بلا خطيئة فليقذفها بالحجر. فتوقف الجميع عما كانوا فيه يهمعون. كلنا خطاؤون وخيارنا، كما قال الرسول الكريم صلعم، التوابون. ولذلك لا داعي أن نناقش واقعة باريس للنائبة ماء العينين من باب الخطيئة والفضيلة. فالخطيئة ملازمة للبشر منذ بداية الخليقة، والضعف قديم في الناس. ويمكن دائما أن ننتقل بين كلا العالمين بيسر أو بعسر وبقصد وبدون قصد وحتى بوعي أو بدونه. فما أكثر المرور من الفضيلة إلى الخطيئة، ومن الخطيئة إلى الفضيلة إلى أن تحصل لنا التوبة النصوح. فالدين إذا غالبناه غلبنا. وكل ذلك لدونيتنا ودنويتنا. فحتى إبليس الذي قرر غواية الآخر كان قد غلب فقط من قبل هواه أو أناه، فقد كان قبل أن يشتط ويشطح في الفعل قواما عبّادا لله.

ما يهم من الواقعة إذن أن نخرج من الوقائع بالخلاصات والاستنتاجات الواجبة، أن نكون قادرين على قراءة ما تخفيه السلوكات من قناعات وأفكار ومواقف، وأن نتأسى العبر. فهي مفيدة جدا للمستقبل، خصوصا أن الحجاب في تلك النازلة تعدى كونه خطابا دينيا إلى أن يصبح خطابا سياسيا ليستعمل وفق الحاجة، وليضحى الآن بيد بعض "الطامحات" من الموارد السياسية التي تنفع في الحشد وفي الوصول على ظهر الجماهير المخدرة المستوثقة بالمظاهر الربانية إلى المناصب والمال وأكل السحت المتأتي من تمثيل الناس، ويستخدم في التحصل أيضا على النفوذ والوجاهة والمكانة الاجتماعية باسم الشرعية الديموقراطية المفترى عليها، التي يتم النفاذ إليها في هذه الحالة من وراء نقاب أو من خلف حجاب. ألم يقل الرسول الكريم (صلعم): من خدعنا بالدين انخدعنا له.

أول قطر الإشارات أن تلك الواقعة تكشف لنا مأساة انشطار الذات التي يعاني منها اليوم الكثير من أبناء الإسلام السياسي، وخصوصا من شباب الجيلين الثاني والثالث، والذين أصبحوا على خلاف جيل "الرواد" يعيشون على مستويين من الوجود، هما للأسف متناقضين أبلغ التناقض. إنهم مقسمون في دواخل ذواتهم بين تمثل الصورة الاجتماعية والفكرية التي تفرضها عليهم أدبيات الجماعة وإرث وشدة الآباء الروحيين وكذلك خطاباتهم وشعاراتهم هم التي يروجون ويعلنون بها عن أنفسهم للناس كرعاة للفضيلة وكتقاة منزهين عن كل أشكال السقوط، سياسيا كان أو أخلاقيا، وخصوصا كحماة للأموال وللأعراض ولصحيح الدين، وعلى الأقل للمعلوم منه بالضرورة، صورة تكون متناسقة مع المثال الذي يرسم للشعب وللأتباع، تشكل لهم بالتالي محيا اجتماعيا أو هوية سياسية علنية جهرية، أو لنقل إنها تمثل لهم القناع السياسي الذي يرتدونه في الحياة العامة وتمثل لنا نحن الطعم الذي نبتلعه... إنها، لعمري، الصورة التي تختلف كليا عن قناعاتهم الحقيقية القابعة في مجاهل وأدغال النفس التي من طبعها كباقي نفوس البشر أن تكون أمارة بالسوء، نزاعة للهوى، ميالة للهلع والجزع. تلك القناعات التي تمثل مجموع ما يموج في الذات من رغبات وأماني وتوترات وصراعات يصعب إظهارها للناس. فهذا المستوى الوجودي الخالي من الرتوش هو الهوية الحقيقية التي تظهر لهم على مرآة الذات حين يبحرون هم أنفسهم في دواخلهم. هذه الهوية المخفية ترقد بغير سلام وراء الهوية الأخرى المتصنعة المزيفة التي تنفيها بعيدا، تقمعها بل حتى قد تقهرها قهرا. ألم يقل الله تعالى عن الإنسان في كتابه الكريم إنه خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا، أي أن المواقف والاختبارات هي التي تكشف الطبيعة البشرية للإنسان مهما تصنع وتكلف. إن هذه الغرائز المكبلة بأغلال المصلحة لأجل التظاهر بنقيضها هو ما يصطلح عليه بالكبت بالمعنى الفرويدي لا بالمعنى السوقي، والذي يطفو على السطح من حين لآخر حين ترتخي الكوابح ليفضح لنا هذا المستوى من الفصام بين السلوك الفعلي والقناعة المعلنة، وبين القول والفعل، وبين السر والعلن. وهذا مفهوم جدا في سلوكات بعض الإسلاميين. فالجيل الثالث من الشباب الآن قد لا يتمثل وقد لا تحركه مثل السلف كتابات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي ولا حتى تعاليم حسن البنا، بل ولا مأثرات الزهد عند الصحابة والخلفاء الراشدين. وكيف يحصل له ذلك وقد أضحى مستغربا بعد أن ارتفع سقف توقعاته من مباهج الحياة التي صارت تنفذ إليه مما أنتجته الحداثة من حضارة مغرية مسيلة للعاب، وما انتهت إليه من وسائل للتواصل الاجتماعي تنقل إليه قسرا هذه الرقة وهذه النعومة وهذا البذخ الذي صارت إليه هذه الحضارة الإنسانية، التي كان يلعنها ويهجوها ويجهلها له المؤسسون. فالكبت في الجماعات المغلقة لا يدوم أكثر من جيلين. كما أن دوام الحال من المحال، والله نفسه يصف نفسه بأنه شديد المحال، فكيف بالعباد وقد خلق ابن آدم على صورته؟. في روايته "سمرقند" يحكي أمين معلوف كيف عمد حفيد الحسن الصباح، مؤسس فرقة الحشاشين المسمى الحسن المخلص، بعد أن انتهى إليه حكم قلعة ألموت الرهيبة، إلى التمرد على كل ما سنه جده كزعيم روحي من قواعد الصرامة والتقشف والشظف والعنف في حق النفس وفي مواجهة الآخر، حيث فتح القلعة بمجرد خلوص الحكم إليه على مصراعيها، وقطع مع عهود الشدة والمجاهدة، ودعا المريدين فيما يشبه الثورة إلى التنعم بالحياة والفرح، حتى أنه أبطل لهم الشريعة، وأسقط عنهم الصلاة والصيام، وأحل لهم المحرمات، وحرم عليهم الفروض لأنه اعتبر أنهم متصلون بالخالق على الدوام، ولا حاجة لهم بها، ولذلك زين لهم أن العناد في إقامة الصلوات الخمس يعد دليلا على قلة الإيمان، وأن شرب الخمر من المحللات، وعدم الفسق والفجور كفر وجحود بالنعم. وقد كان ذلك في الحقيقة رد فعل عنيف وحماسة زائدة من هذا المخلص للتخلص من الكبت الذي عانت منه الجماعة لجيلين متعاقبين، وانتقاما متطرفا للحياة ممن أرادوا وأدها فيهم، وتوقا للعيش الناعم الرغيد. فما أشبه اليوم بالبارحة!!.

إنه كلما تعمق التناقض بين الهويتين، اللتين ذكرت في نفوس الناس المتشددين، كلما بالغوا في الحديث عن الشرف والنزاهة والحياء والعفة، وكلما تأولوا وحللوا العجب العجاب، وهرعوا للتمسح بالنبي الكريم ونادوا على كبار صحابته شهودا لهم أمام الناس على التقى والورع. وقد كنت قرأت بهذا الصدد لمحلل نفسي أنه كلما كثر الحديث عند فئة ما عن الشرف وعفة اليد والجوارح كلما كان ذلك دليلا على ان هذه المعاني وهذه الفضائل قلت وندرت عندها.

هذه الفذلكة التي أوردت يصفها فرويد باللاشعور الذي يتحكم في الإنسان، وهي تقريبا الفكرة نفسها التي طالما عبر لي عنها والدي عندما كان يقول لي إن من العصمة أن لا تجد. وقد وجد بعض الإسلاميين حالهم أمام الملذات من كل الأصناف، فما ضمنوا أنفسهم، بل وجدوا على أيام الحرمان والشقاء، واقتصوا لأنفسهم من أيام الزهد الطويلة ومن السنين العجاف، فلم يصمدوا كما وعدوا لما "أغارت" عليهم هذه النعم، و"تقاطرت" عليهم هذه "الغنائم" و"تربصت" بهم تلك "الشهوات "، وهي التي زينت للناس، كما يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، ممثلة في النساء وبريق قناطر الذهب، فكان أمر بعضهم فرطا. هكذا فشلوا أمام الاختبار واستسلموا لغواية الريع الذي استقله الشيطان اللعين سبيلا إليهم... هذا الريع "الطارئ" عليهم، الذي طالما نظموا مهرجانات خطابية وقصائد شعر في هجائه وابتهلوا بالدعاء تعوذا منه، كيف له أن ينتصر عليهم؟ كيف له أن ينسيهم شدة عمر بن الخطاب في الحق وقسوته على نفسه وجسده وعياله حتى كانت إمارته لهم مغرما لا مغنما، وكيف له أن يمحو فيهم نزاهة سبطه عمر بن عبد العزيز الذي حين سأله صاحب البريد عن حال أسرته أطفأ شمعة بيت مال المسلمين وأضاء شمعة من منزله، لأنه لا يجوز في فهمه لصحيح الدين خلط المال العام بالخاص. وقبلهما معا عفة الصديق يوسف الذي أبى أن يغدر أو يغنم زوجة عزيز مصر الذي رباه في بيته وأكل من خبزه. رباه كيف يحدث لهم كل هذا.. لِم لَم يستعصموا؟.. لِم لَم يصمدوا؟.. حقا ما أدهى هذا الشيطان الذي يجلب عليهم بخيله، ما أقواه وما أضعفهم!.. تبا له لِم يستقصدهم من دون الناس أجمعين !!!!

لم يختبر بعض الإسلاميين من الحاكمين، بل بمعية بعض الإسلاميات من الحاكمات فينا قدرتنا على تحمل الطعن من الخلف والتنكر للوعود وحدهما، بل أفرغوا وأفرغن منا كل منسوب الصبر لدينا على تجرع المرارات من كثرة المواقف المتشابهة التي يضعن أنفسهن فيها. فهن دائما في المتشابه، ولذلك أنهكت نساؤهم أمنا عائشة، رضي الله عنها، التي يعتقدن بأنها أمهن لوحدهن. ودائما ما يلذن إليها مع اختلاف السياق وغياب القياس لأن الله تعالى جزم بأن أمهات المؤمنين لسن كباقي النساء، فكيف يكن هن مثلهن؟؟. خصوصا أنه عندما يحصحص الحق، ينكرن العقوق والمروق، ولا ينزلن عند الحق كما نزلت زوليخا ذات محاكمة وأقرت بأنها كانت من همت وبادرت وقدت.

ثاني الإشارات هي أن بعض الإسلاميين حين يهاجمون العلمنة يهاجمونها، ويا للغرابة، وهم منخرطون فيها، متيمون بعشقها في شوارع باريس ولندن، سادرون ومنغمسون فيها من الرأس الى أخمص القدمين فيما يسمى عند العارفين من المحللين بالعلمانية غير الواعية.

انظروا مليا إلى ما تكشف فقط من أفعال بعضهم لتستكشفوا أنه بينما يفورون نقدا وهجاء للعلمانية فوق منصات الخطابة وأمام الجموع الغافلة أو المستغفلة، هم في الحقيقة يذوبون حبا وهياما بها، بل إنها ضالتهم الأولى هناك فيما وراء البحر إذا عز هنا الستر. ففي ملتهم السياسية أن كل شيء مباح في دار (الحرب) للاستمتاع، وأن التقية واجبة هنا مع العامة في دار (السلم) للإقناع والمواظبة على لبس القناع. فللجمهور الدين، وللخاصة من أمثالهم التنعم بالملذات.

إن المأساة الكامنة وراء هذ السلوك المناور أن السجية الحقيقية تظل مخفاة لدى البعض ولا تظهر إلا في دار (الحرب) تلك. وكانت المأساة ستكلف أكثر لو أن كشفها تطلب من الشعب كله أن يسافر إلى هناك لتكتمل له الصورة؟؟؟

وحيث إنني مع الحرية ولست مع الحجاب ولا ضده- وإن كنت أرى الحجاب من الإسلام حسب علمي، وأعتبره علاقة للمرأة مع ربها، ولا يجوز مسحه عن الدين مراباة لنزوات امرأة تخلت عنه -، فإني أحمد الله أن هذه السلوكيات، لا أقول المنفلتة، وإنما أقول غير المنسجمة، هي التي أضحت تسافر إلى الشعب عبر وسائل الكشف التي اخترعتها هذه الحداثة ذاتها... وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت، يا للمفارقة، في الوقت نفسه جيوشا للإسلام السياسي وعيونا عليه.

يستمرئ بعض الاسلاميين البكاء هنا على زمن تطبيق الشريعة، والتهافت هناك على المتع وعلى السلع المعلمنة حتى الثمالة في تجل صريح لمتلازمة النفس المبتورة التي تصيب بعض أبناء الإسلام السياسي، والتي سبق أن تكلم عنها الفيلسوف الإيراني ماريوس شايغان في تنظيراته لمن أراد أن يستفيض، وافتضاح للانتهازية لدى بعضهم في الأخذ بمنتجات الحداثة من دون التشبع بذهنية الحداثة وفلسفتها. إنه بالأحرى النفاق الذي يهدف إلى ترك الشعب الساذج طريحا على هامش التاريخ، والسعي للاستئثار بالمتع وبالحداثة والعصرنة لأنفسهم في سرية تامة عن الناس. إنها الحداثة المحتكرة التي يرى طلابها من المتلصصين إليها أنها للخاصة، بينما ينبغي في رأيهم "رمي" التقليد للعامة والبؤساء والكادحين و(الحثالة).

ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن بعض أبناء الإسلام السياسي، أو لأقل الجيلين الثاني والثالث منهم، متمردون على بناه الفكرية التنظيمية التقليدية، وأنهم يعشقون الحياة العلمانية أو الحداثية بحذافيرها وأحيانا بكبائرها، فقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر. وإذا كانت العلمانية في شكلها الصلب الفج تعني تفكيك الإنسان والتعامل مع هذا العالم بوصفه مادة، فبعض الإسلاميين حين يستخدمون الدين كمصعد اجتماعي، ويقايضون به كبضاعة سياسية في سوق السياسة المصلحي الوضيع، إنما هم في الحقيقة يتعاملون مع الدين كمادة وكسلعة سياسية. إنهم العلمانيون الحقيقيون ولكن لا يشعرون. وقد كنت قرأت ضمن ما قرأت مما تيسر لي من كتب المرحوم عبد الوهاب المسيري (رحلتي الفكرية، في الثقافة والمنهج.. الفردوس الأرضي)، الذي كان في بداية أمره علمانيا راديكاليا، بل ماديا، ثم انقلب بنعمة من الله منافحا عن الجانب الروحي في الإنسان الذي طحنه توحش الحداثة.. كنت قرأت له وصفة لتمييز العلماني من الرباني أرى أن أبوح لكم بها. إنه يدعوكم في هذا الأمر إلى عدم الاغترار بالأقوال والشعارات، بل الى النظر إلى السلوك والأفعال. فإذا كنتم أمام من يغير الزوج بسهولة، ودون سبب، ويركب السيارات الفارهة، ويقتفي أثر الماركات العالمية، فذاك علماني لعشقه للسوق، ولو أعلن لكم بلسانه أنه إسلامي أو روحاني أو رباني. ومن هنا يتحدث المسيري، رحمه الله، عن الحجاب العلماني لأن الحجاب غايته دفع الإثارة، وعندما يكون بعض الحجاب متبرجا وبعض اللباس الشرعي مزركشا بالألوان الشهية الفاقعة فذاك حجاب غايته المراء ونفاق الله والبشر وأحيانا الإغواء والخطيئة... حجاب للعمل السياسي لا يقصد به وجه الله. من كان حجابه لله فحجابه لله، ومن كان حجابه لأصوات يصيبها وبشر يخدعهم، فحجابه لما لبس له.

ثالث الإشارات أن الدين حين يغادر باحة الدعوة الفسيحة، ويدخل نفق السياسة الضيق، يتحول مباشرة إلى إيديولوجية تفرق ولا تجمع، لأن السياسة فضاء لصراع الإيديولوجيات. وبذلك يبتعد عما أراده الله له، ثم لا يلبث أن يتطور هذا التدين السياسي بدقيق التعبير بمرور الوقت بعد الانتقال من شظف الدعوة إلى رغد الدولة إلى وسيلة سريعة للارتقاء الاجتماعي والعنصرية بين الناس على أساس الطائفة.

إن أخطر ما يمكن أن يتورط فيه مجتمع هو حين تنبري فئة ما وتستخلص هذا الدين لها من دون الآخرين كمورد سياسي، فتحتكره، تحارب به حين تريد، وتتفاوض به حين يقتضي الأمر ذلك، وتتخلى عنه إذا حزب هذا الأمر، وتحوره وتمسخه دفاعا عن الاتباع حين يشذون. ثم لا بد أن يقع أن رؤيتها لنفسها ولباقي الجماعات الإسلامية والدينية الأخرى ولباقي الشعب تتشوش لأن الدين في السياسة يشطر ولا يجمع، يذوي ولا ينتعش. إن التدين السياسي المرائي لعبة خطرة وأحيانا تستحيل قذرة، خصوصا عندما يعتقد أصحاب تلك الفئة أنهم الفئة الناجية، وخصوصا أكثر حين يشرعون في هذه النجاة هنا في الدنيا وعلى حساب الآخرين، فيبدؤون في الاستئثار بكل شيء، وباغتنام كل شيء وأخذ نصيبهم ونصيب الناس من الدنيا الفانية، بل قد يتطرفون في طلب الدنيا فيأمرون الآخرين بالبر وينسون أنفسهم، ومنهم من يعتقد، على شكل بعض غلاة التصوف، أن الحركي الإسلامي عرف الحقيقة فأعفي من الطريقة، فلذلك هم يتضامنون في السراء والضراء وعلى الخطيئة والفضيلة، فيبررون ويقبلون لبعضهم البعض... هم هكذا رحماء بينهم أشداء علينا وعلينا فقط رغم أننا مثلهم مسلمون. إننا عندما نقع في السيئات والذنوب نعرف أننا أخطأنا، ونرجو الغفران. ولكن سيئاتهم على ما يبدو تعود حسنات بإعمال التأويل في الدين. فالدين يتغير معهم ويجمد معنا. بينما المفروض أن يبقى هو هو صافيا كما بلغه إلينا الرسول الكريم سيدنا محمد عليه السلام، أن يبقى ذلك المثال الذي نرنو إليه ولا نبلغه أبدا. وإذا لم نبلغه نعترف بتقصيرنا، ولكن لا نهوي به إلى عالمنا السفلي الملطخ بالآثام، إذ يجب أن يبقى ذلك المثال الذي لا ندنسه بالمصالح الرخيصة للسياسة وغثاثة الدنيا.

رابع إشارة أن المغاربة لم ينتفضوا ضد عدم لبس النائبة الحجاب بباريس، فلباسها هناك هو في الحقيقة لباس الأغلبية من بنات الشعب المغربي هنا قبل أن تدهمنا الأفكار والكليشيهات الآتية من الشرق، ولكنهم انتفضوا ضد النفاق. وقد يقول قائل: قد كان المنافقون جزءا من ساكنة المدينة يخرجون مع الرسول الكريم للغزوات ضد العدو ويحيون بين ظاهري المسلمين. لكني أجيبه أن هذا النفاق الجديد ليس نفاقا لله فلا يحاسبهم عليه الشعب، ولكنه نفاق للشعب وتمويه عليه ابتغاء أصواته واغتصابا لمرضاته. فمن كان حجابه لوجه الله فحجابه لوجه الله ومن كان حجابه للشعب فحق للشعب أن يحاسبه عليه، خصوصا أن هذا الحجاب في هذه الحالة مراوغ خداع مثله مثل ثعلب زفزاف يظهر في المغرب ويختفي في فرنسا.

وخامس الإشارات وآخرها أن هذه الوقائع التي تجري رحاها في باريس تكاد تجعل الناس يخلطون بين الإسلام السياسي والإسلام، مما يعجل بعلمانية لا تبقي ولا تذر يتسبب فيها هؤلاء المتحررون من الإسلاميين الذين تحرروا من كل شيء.. من وعودهم وقناعاتهم أو دعاواهم وحتى من ملابسهم حين تقتضي تقلبات السياسة ونزوعات النفس ذلك.

وقد سبق لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي حين حمل على الفلاسفة أن برر ذلك بأن الناس يختلط عليهم اشتغال الفلاسفة بالطبيعيات التي هي علوم حقة بالإلاهيات التي تبقى مجرد وجهات نظر أخطؤوا فيها. وهو الخلط نفسه الذي يوقع فيه الإسلام السياسي الآن الناس، حيث يخلط لهم التدين بالأمور السياسية، مما يفرز العجائب ويدلس على الناس، ولكن لا عجب ولا غرابة حين نكون أمام طينة من الإسلاميين جهرا والعلمانيين سرا، أي حين يتحول التدين إلى مجرد أداة سياسية للارتقاء والهجرة الطبقية، وتعوض اللحية والحجاب والسبحة الكفاءة والجرأة والإرادة، وربما حتى التقوى التي خص الله بها عبادا له غالبا ما لا نتعرف عليهم من شدة تسترهم وخشيتهم له.

خالد فتحي