يقال عن سبب قولها أن سقراط، وبينما هو غارق في تقليب النظر مع تلامذته المحيطين به، والنقاش على أشده في مواضيع مختلفة. كل يدلي بدلوه، ويدافع عن رأيه بالحجة والبرهان، نقاش ساخن كبركان فائر، يهدأ قليلا ثم يعلو صخبهم، إذا برجل يطلع عليهم، متبخترا في مشيته، متعال في نظرته، يجر أذيال الكبرياء، رافعا رأسه إلى السماء مزهوا بنفسه كأنه الطاووس في عز فتوته. أنيق الهندام يتباهى بلباسه ويفاخر بمنظره. نظر إليه سقراط مليا، فسكت تلامذته من حوله ينتظرون ما ستفرج عنه قريحته. إنهم يعرفونه. لم تضع هيأة الرجل البرانية غشاوة على عينيه، ولم يأبه له كما ظن الرجل المختال. لقد اعتقد أنه بشكله قد حاز الدنيا بما فيها، وأن ما على غيره حيثما حل وارتحل، سوى أن يسبح بحمده ويقدس له؛ لكن لسوء حظه، لم تجر الرياح هذه المرة بما تشتهيه سفينة عجرفته، إذ تكسرت على صخرة الفلسفة والعقل والحكمة. لم يغتر سقراط بمظهره قطميرا، على عادة صغار العقول ممن تسلب المظاهر عقولهم وتغشي الأشكال أبصارهم، فصدمه بقولته الشهيرة، التي لا تزال إلى اليوم يصم صداها الآذان "تحدث لأراك". لقد أنكر وجوده بالمرة، بما أنه لم ينبس بعد ببنت شفة، يثبت بها هويته، ويحقق وجوده. ففي زمن الرداءة والانحطاط تنقلب الموازين، فتصبح الرؤوس أقداما والأقدام رؤوسا، وتطفو التفاهة على سطح الأحداث حتى بات أي معتوه لا يجد ما يثبت به ذاته غير تحريف النطق بكلمة أو كلمتين.. وللأسف، لا يكاد ينتهي من هرطقته حتى تتلقفه التفاهة الكبرى بالأحضان ليصبح بين عشية وضحاها نجما تسير بذكره الركبان، وتزدحم مذكرته بمواعيد المقابلات التلفزيونية والإذاعية وكم هائل من التكريمات، من قِبَل مَنْ لا هَمَّ لهم أكثر من تمرير وصلات إشهارية لبضائعهم الاستهلاكية، حتى ولو كانت على جثث أذواق كل مواطني البلد.

يخبو صوت العقلاء والمفكرين والعلماء المتنورين، ويتنمر الجهلاء بجهلهم يستغلون بمظاهرهم الزائفة أصحاب العقول البسيطة، كما نراه اليوم بشكل لافت لدى المشعوذين وتجار الدين ممن يعرفون من أين تؤكل أكتاف البسطاء، فتجدهم يوغلون في كل ما من شأنه أن يجذب الزبناء ويستميلهم، ممن يغترون بالمظاهر بدون معرفة بواطن هؤلاء وخلفياتهم الدنيئة.

فهل هناك أبشع من امتطاء آيات بعينها من كتاب الله العزيز، أو مظهر من مظاهر النبي الكريم لتحقيق أغراض دنيوية، سياسية أو اجتماعية أو مادية، بفتح دكاكين على بابها لافتات مكتوب عليها بالبنط العريض "مركز للعلاج بالقرآن الكريم والسنة النبوية". أي عبث أكثر من هذا التعسف بتأويل آياته، وفق ما يحقق لهم مزيدا من اصطياد الضحايا واستدراجهم لشباكهم القذرة. يرحم الله ابن رشد لما قال قولته الشهيرة "التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل. وإذا أردت أن تتحكم في جاهل، فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف الدين". قريب من هذا ما عبر عنه أمير الشعراء شوقي، في رائعته الشهيرة في وصف المكر والخبث:

برز الثعلب يوما في ثياب الواعظينا

فمشى في الأرض يهدي ويسب الماكرين

إلى آخر بيت في القصيدة على لسان الديك:

مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا

فتجدهم بإعفاء لحاهم وحف شواربهم والإكثار حد القرف من السبحلة والاستغفار وترديد أحاديث لا يدرون معانيها ودلالاتها، ويؤثثون المشهد بقراءة القرآن على شاشة التلفاز من صبح الله إلى مسائه، فتجد المساكين ينقادون لهم انقياد الدابة لصاحبها. فسقراط لفرط اهتمامه بالعقل وبجواهر الأمور بدل قشورها، أنكر عليه حتى وجوده البيولوجي لما قال له: "تحدث حتى أراك"، ولم يقل له "حتى أعرفك"؛ فالإنسان كما قال الشاعر أبو الفتح السبتي في قصيدة له:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته أتطلب الربح فيما فيه خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

والشيء بالشيء يذكر، لا يمكن في هذا السياق أن نغفل قصة الإمام أبي حنيفة النعمان لما خانته فراسته مع أحدهم جميل المنظر، مهيب الجانب، وبينما هو بأحد مساجد بغداد مع تلامذته مادّا قدميه بسبب ألَمٍ ألَمَّ بهما بعد استئذانهم، يحدثهم عن أوقات الصلاة، إذ بشيخ كث اللحية، على رأسه عمامة كبيرة يجلس بينهم، وإذا بالإمام يشعر بالحرج، لقد ظنه على درجة رفيعة من العلم، واحتراما له طوى قدميه، إلى أن نطق هذا الرجل بهي المنظر بسؤال خارج السياق ينم عن جهل كبير؛ فـ"الإنسان مخبوء وراء لسانه"، كما يقال. فما كان من أبي حنيفة آنئذ إلا أن يمد قدميه من جديد، وهو يردد قولته الشهيرة "آن لأبي حنيفة أن يمد قدميه".

فكم يكفينا اليوم، كهولا وشبابا، من أرسطو ومن أبي حنيفة ومن أبي الفتح السبتي وشوقي وغيرهم، لنقدر الأمور قدرها، فنهتم على الأقل بجواهر الأمور وبواطنها، كما نهتم بأشكالنا ومظاهرنا؟

بوسلهام عميمر