ليس ما يحدث في العراق تطوّرا عاديا بأي مقياس من المقاييس. يشهد هذا البلد العربي المهم الذي يعتبر احد الاعمدة التي قام عليها النظام الإقليمي منذ انهيار الدولة العثمانية قبل مئة عام، تغييرا في المزاج الداخلي لا يمكن الّا ان تكون له انعكاساته على التوازن في المنطقة كلّها، بل ما هو ابعد منها.

في أساس التغيير، ذلك التحوّل في المزاج الشيعي الذي بدأ يكتشفه زوّار بغداد. يعبّر عن هذا التحوّل الرفض الشعبي، خصوصا في الاوساط الشيعية، لان يكون العراق جرما يدور في الفلك الايراني. هناك بكلّ بساطة روح وطنيّة عراقية عادت تظهر من جديد. كان افضل تعبير عن تلك الروح في الماضي القريب الدور الذي لعبه شيعة العراق في منع ايران من الانتصار في حرب السنوات الثماني بين 1980 و1988، وهي حرب انتهت بشبه انتصار عراقي اضاعه صدّام حسين عندما اعتقد انّه صار في استطاعته احتلال الكويت. اقدم على تلك الحماقة، التي هي مغامرة مجنونة اكثر من أي شيء، غير مدرك لما سيترتب على فعلته. اصدر عمليا حكما بالإعدام في حقّ نفسه مدخلا العراق في نفق مظلم بدل التفكير جدّيا في استغلال الفرص المتاحة امام بلد صدّ شعبه الاطماع الايرانية. وقف العراق بفضل مكونيه الشيعي والسنّي سدّا منيعا طوال ثماني سنوات في وجه رغبة آية الله الخميني في "تصدير الثورة" التي قضت على نظام الشاه الى خارج حدود ايران.

ترتكب ايران حاليا الخطأ ذاته الذي ارتكبه صدّام في العام 1990 عندما اعتقد انّ كلّ شيء صار مباحا له وان العراق تحوّل الى قوة إقليمية لا يستطيع احد الوقوف في وجهها. كانت لديه قراءة خاطئة لخريطة التوازنات الإقليمية والدولية. جاء الاحتلال الاميركي للعراق في العام 2003 ليدفع ايران الى الاعتقاد انّها باتت قادرة على لعب دور القوّة الإقليمية المهيمنة انطلاقا من اوهام تراكمت داخل رؤوس المتحكمين بالقرار السياسي والاقتصادي في طهران. على رأس هؤلاء "المرشد" علي خامنئي الذي صار يظنّ ان بلاد فارس امام فرصة لا تعوّض وان في الإمكان بذل محاولة جديدة لـ"تصير الثورة" الى كلّ ارجاء المنطقة. لم يتيقّن في ايّ لحظة الى الفشل الداخلي الايراني على كلّ صعيد، خصوصا لجهة اعتماد "الجمهورية الإسلامية" اكثر من ايّ وقت على دخلها من النفط والغاز بدل تطوير اقتصادها والاهتمام برفع مستوى المعيشة والانفتاح على العالم عن غير طريق الابتزاز عبر البرنامج النووي.

كان العراق وسوريا ولبنان ثمّ اليمن من ضحايا الانطلاقة الجديدة لـ"تصدير الثورة" في 2003 بعدما قدّمت إدارة جورج بوش الابن العراق على صحن فضّة الى ايران. يتبيّن اليوم كم كانت هذه الهديّة مسمومة. كانت مسمومة الى درجة جعلت ايران تظنّ انّها اهمّ لاعب في المنطقة وانّ لا شيء يمكن ان يقف في طريقها، خصوصا في العراق حيث قبل باراك أوباما بان تكون صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في البلد ابتداء من العام 2010. اسكرت الصفقة التي عقدتها "الجمهورية الإسلامية" مع إدارة أوباما المسؤولين الايرانيين. جعلتهم لا يأبهون بالرأي العام العراقي وبوجود وطنية عراقية. حلبت ايران العراق وثرواته في مرحلة تولي نوري المالكي موقع رئيس الوزراء. ثمّ استفادت الى ابعد حدود من تسهيلات الادارة الاميركية في عهد باراك أوباما الذي لم يكن لديه من همّ سوى استرضاء طهران خشية خروجها من المفاوضات التي ادّت الى توقيع الاتفاق في شأن ملفّها النووي في تمّوز – يوليو 2015.

هناك الآن معطيات جديدة في العراق. بين ابرز المعترضين على الدور الايراني اشخاص مثل عمّار الحكيم ومقتدى الصدر وحيدر العبادي الذي حالت طهران دون عودته الى موقع رئيس الوزراء بعد انتخابات الثاني عشر من ايّار – مايو 2018. لم يتمكن رئيس الوزراء الجديد عادل عبدالمهدي الذي خلف العبادي، الى الآن، من تسمية وزير للداخلية حتّى بعدما يأس الجنرال قاسم سليماني من إيصال احد قادة "الحشد الشعبي" الى تولي هذه الحقيبة بغية تأكيد ان "الحشد" صار جزءا لا يجزّأ من مؤسسات الدولة العراقية، على غرار "الحرس الثوري" في ايران.

بين من يرفض الهيمنة الايرانية على العراق اشخاص مثل الحكيم والصدر والعبادي، معروف جيّدا انّهم عادوا الى بغداد على ظهر الدبابة الاميركية. هذا الواقع ليس سرّا. لم يعد سرّا أيضا ان المزاج الشيعي العراقي تغيّر من دون ان يعني ذلك ان ايران فقدت كلّ اوراقها في العراق. تغيّر هذا المزاج حتّى حيال المرجعية في النجف التي على رأسها آية الله السيستاني. بات مطلوبا من المرجع الأعلى في النجف عدم الاكتفاء بالعموميات واخذ مواقف صريحة من السياسة الايرانية تجاه العراق ومن الدولة المدنية فيه.

كيف ستتعاطى ايران مع المستجدات العراقية؟ هل تدرك انّ التغييرات التي أجرتها على الأرض والتي شملت عمليات تطهير ذات طابع مذهبي لم تؤد الى النتائج المرجوة، أي الى جعل المدن العراقية مثل بغداد والبصرة اشبه بإحدى ضواحي طهران. لم يعد صيف البصرة بعيدا. الصيف في هذه المدينة، ذات الأكثرية الشيعية، يبدأ في نيسان – ابريل. سيكون صعبا على سكانها الرضوخ لحياة البؤس التي يعيشونها في ظل غياب الكهرباء والماء وانتشار الأوبئة في وقت يعرف كلّ بصراوي الدور الذي لعبته ايران في عملية افشال كلّ مشروع حيوي استهدف إعادة الحياة الى البنية التحتية للمدينة. تعوم البصرة على النفط. اين ذهبت مليارات الدولارات من العائدات النفطية منذ ما يزيد على خمسة عشر عاما حين بدأت ايران، عبر ميليشياتها، تفرض نمطا جديدا للحياة في المدينة؟

لم تعد من حدود للاعتراضات العراقية على ايران. لمس ذلك كلّ من ذهب الى بغداد حديثا لمس اليد. عاجلا ام آجلا، ستكون هناك احداث كبيرة في العراق حيث بات المواطن العادي يعرف ان الخيار واضح بين خطين. اما مؤسسات لدولة عراقية... واما دولة لتغطية "الحشد الشعبي" الذي ليس سوى مجموعة من الميليشيات المذهبية تدار من طهران. الخيار واضح، تماما كما الحال في لبنان. امّا الجيش اللبناني وامّا سلاح ميليشيا مذهبية تريد السيطرة على مؤسسات الدولة والتحكّم بها إرضاء لنظام مفلس اسمه النظام الايراني.

لا شكّ ان على العرب عموما التعاطي بحذر مع المستجدات العراقية. لكنّ عليهم اخذ المستجدات على محمل الجدّ. لن تتغيّر الاوضاع بين ليلة وضحاها، ذلك ان عمر الوجود الايراني في العراق منذ 2003. هذا لا يمنع ضرورة وضع العراق تحت المراقبة الدقيقة. لا بدّ من هذه المراقبة في ظلّ رغبة لدى قيادات شيعية كبيرة في إعادة المياه الى مجاريها بين العراق ومحيطه العربي من جهة وفي ظلّ العقوبات الاميركية التي بدأ مفعولها يظهر داخل ايران من جهة اخرى.